التحديثات

الحصار والعقوبات وجهان لجريمة واحدة

23 تشرين ثاني / أكتوبر 2018 01:26

وليد القططي
وليد القططي

كتب د. وليد القططي

العقدة في الرواية هي المأزق في السياسة، وكما تحتاج العقدة إلى حل فإن المأزق يحتاج إلى مخرج، ولا شك أن المأزق الفلسطيني قد استحكمت حلقاته، واشتدت أزماته، وتفاقمت مآسيه، ويحتاج إلى مخرج لا محالة. وعلى منوال الحبكة المركبة فالحدث الأخير للمأساة الفلسطينية هي العقوبات المفروضة على غزة، ومن قبلها الحصار، ومعهما استمرار الانقسام، ويرافق كل ذلك استمرار الاحتلال والاستيطان والتهويد، وانسجاماً مع الخط الدرامي للحبكة المركبة نعود إلى الوراء لنصل إلى أصل الحكاية.

 

لن نستطيع العودة كثيراً للوراء، فلنتخطى ضياع فلسطين في النكبتين – 1948 – 1967، ولنتجاوز آثار حرب أكتوبر 1973 على الفكر السياسي العربي والفلسطيني باتجاه القبول بالتعايش مع دولة الاحتلال (إسرائيل)، لنصل إلى بدايات التغير في الفكر السياسي الوطني الفلسطيني ابتداء من البرنامج المرحلي المعروف بالنقاط العشر في الدورة (12) للمجلس الوطني الفلسطيني بالقاهرة، وصولاً إلى اندلاع الانتفاضة الأولى (انتفاضة الحجارة) في ديسمبر 1987م التي كانت إيذاناً بانتقال الصراع مع الكيان الصهيوني إلى داخل فلسطين، لتترافق ديمومة الانتفاضة الثورة مع طغيان الانتهازية الثورية المسماه زوراً بالواقعية الثورية، لتحط رحالها في اتفاقية أوسلو 1993م، وإنشاء السلطة الفلسطينية عام 1994م لنجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام سلطة تختلف جوهرياً إلى حد التناقض بين السلطة الموصوفة في البرنامج المرحلي لعام 1974م، ابتداء من إقامتها على أرض غير مُحررة تحت الاحتلال، وانتهاء من كونها غير مستقلة وغير مُقاتلة، مروراً بتحولها إلى سلطة النُخبة المستفيدة المرتبطة مصلحياً بالاحتلال وليست سلطة الشعب الوطنية.

 

لم يكن إقامة سلطة تحت الاحتلال، أو «تعمل لدى الاحتلال وتحت بساطير الاحتلال» كما جاء على لسان رئيسها هو المأزق الوحيد، بل إن انقسام السلطة عام 2007م هو المأزق المُركب، لتصل المأساة الفلسطينية إلى حبكتها المركبة، عندما دخلت حركة حماس الانتخابات التشريعية عام 2006م، فدخلت سلطة لا تعترف بمرجعيتها القانونية (أوسلو)، وليست جزءاً من مرجعيتها السياسية (المنظمة)، وتتبنى برنامجاً سياسياً مناقضاً لبرنامج المنظمة السياسي الذي أقيمت بناء عليه السلطة، وزاد الطين بلة بحدوث الانقسام عام 2007م وتفرد حركة حماس بحكم غزة، وحركة فتح بحكم الضفة، فتحوّل الانقسام السياسي إلى جغرافي وسلطوي له أبعاد اجتماعية ونفسية وثقافية... وفرض الحصار إسرائيلياً على قطاع غزة، وأصبح معبر رفح مغلقاً معظم أيام السنة، لتتطور الأمور بعد فشل كل مفاوضات المصالحة إلى فرض عقوبات على قطاع غزة من قبل السلطة في مارس عام 2017، لإجبار حماس على القبول بشروط السلطة في المصالحة كما صرح بذلك مسؤولو السلطة.

 

الحصار المفروض إسرائيلياً، والعقوبات المفروضة سلطوياً هما نوع من العقوبات الجماعية المخالفة لمبادئ القانون الدولي الإنساني، لا سيما المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949م، ونصها «لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصياً، تُحظر العقوبات الجماعية، وبالمثل جميع تدبير التهديد والإرهاب»، كما أن تخلّي السلطة عن مسؤولياتها المدنية تجاه سكان قطاع غزة. لأسباب غير مسؤولين عنها وبدون ذنب ارتكبوه يُحالف البند السادس من اتفاقية أوسلو الذي نص على «نقل السلطة من الحكومة الإسرائيلية وإدارتها المدنية إلى الفلسطينيين المخوّلين بهذه المهمة «أي السلطة الفلسطينية. وهما وسيلتان غير إنسانيتين وغير أخلاقيتين لتحقيق أهداف سياسية، إضافة إلى أنهما مبنيان على فرضية خاطئة تفترض أن الضغط على السكان المدنيين، سيجبرهم على الضغط على حركة حماس للإذعان لشروط السلطة لتحقيق المصالحة، والضغط على المقاومة للرضوخ لمطالب العدو بإيقاف أو تجميد المقاومة. فالشعب الفلسطيني في قطاع غزة وكل أماكن تواجده لا يمكن أن يقع في هذا الكمين ويقع في شرك الفتنة الداخلية أو ينقلب على مقاومته، فإذا كان هناك انقلاب أو انفجار فلن يكون إلا باتجاه العدو المُحتل أصل البلاء وأساس المأزق.

 

الحصار والعقوبات وجهان لجريمة واحدة، والجريمة ليست اقتصادية فقط ناجمة عن تحويل معظم الشعب الفلسطيني في غزة إلى جيش من العاطلين عن العمل والفقراء والمعوزين، وتدمير المؤسسات الاقتصادية، وتحطيم العجلة الاقتصادية... بل الجريمة أعمق من ذلك، فقد مسّت بالكرامة الإنسانية الناتجة عن البؤس والعوز والفاقة، ومسّت بالقيم الأخلاقية الناجمة عن الحاجة الشديدة والاضطرار للتسوّل المباشر أو غير المباشر، وتسببت في كم هائل من المعاناة النفسية المترافقة مع ضياع الأحلام وانهيار الآمال وتحطّم طموحات الشباب والشابات على صخور الاحتلال والحصار والانقسام والعقوبات، ولا خيار أمامنا- نحن الفلسطينيين- سوى تحطيم كل هذه الصخور بإنهاء العقوبات والانقسام، ومن ثم إجبار العدو على كسر الحصار، والعودة إلى مشروعنا الوطني بالتحرر من الاحتلال والعودة إلى بلادنا وتحقيق الاستقلال الوطني.

انشر عبر