التحديثات

أن تخدعني مرة عار عليك، ان تخدعني مرتين عار علي

29 تموز / ديسمبر 2018 01:06

الأسير حسن كراجة
الأسير حسن كراجة

كتب الأسير حسن كراجة / صفا - رام الله

في عتمة الزنزانة كان يغوص مشعل، تتسعه عيناه في وسط الظلام و العزلة ليرى عكس ما أرادوا له أن يرى ، أرادوه أن لا يرى بتاتاً سوى نفسه وحيداً،لقد رأى على هذه الجدران بصمات من مروا بها قبله، وقطرات دم لونت تلك الجدران التي دهنت بلون رمادي لتزيد من عزلة وكآبة قاطنيها، خاصة عندما تعكس الضوء الأصفر الخافت، لقد استذكر مشعل مقولة أحدهم في هذه اللحظة عندما قال:"إما أن تكون قطرة ندى جميلة خفيفة تختفي مجرد أشرقت الشمس، أو أن تكون قطرة ماء في نهر تبقى ما بقي النهر....
الآن مشعل باعتباراته ليس معزولاً ، الآن ينظر الى سيل المناضلين الذي مر من هذا النهر، ينظر إلى جميع المناضلين الذين أسروا هنا ...هو بينهم الآن ليس وحيداً...هو يعرف أن هذا السيل لن يبقى حبيس ضفاف النهر أو جدران الزنزانة، بل سيروي الأرض بنضاله.
بينما كان مشعل غارقاً في أفكاره ، سمع قرع مفاتيح تقترب من باب زنزانته، ما هي الا لحظة فتح الباب، أمره السجان بالاقتراب، كبّل مشعل وعصّبت عيناه ،ثم اقتيد من الزنزانة الى حيث لا يعرف...يصعد مشعل الدرجات ، يعدها محاولاً معرفة مصيره، فمع مرور أيام التحقيق العشرين السابقة، استطاع أن يرسم في مخيلته خارطة للطرق و الدهاليز الرابطة بين مقابر الأحياء و غرف الشبح و التحقيق. أقل من دقيقتين أخذت معه ليجد نفسه على كرسي الشبح و يداه مقيدتان مكبلتان للخلف، حتى وصل مشعل الى هذا المقام مر بعدة سجانين يفرضون عدة اجراءات منها الصراخ و الحركة السريعة في محيطه، وتمثيليات عدة ليشعروه بالرهبة و الارباك حتى اذا حان الوقت وصل ضعيفا منهكا أمام المحقق.
بلغة ركيكة تحدث المحقق:"اللي تحت العصي مش زي اللي بيعد فيها..خليك راكب راسك..الأيام اللي بتروح، بتروح من عمرك و الناس مش كلكانة( قلقة) فيك"، لم يجبه مشعل و لم يهتز بأي كلمة، فعلى بعد مسافة تقل عن كيلومتر خلف ظهره ، يقع جبل الكرمل حامياً مسانداً، كلما أراد المحققين من اختراق قلعة مشعل الصامدة تذكر أنه ليس وحيداً، فجبل الكرمل و شعبه الذي يثق به بلا حدود يقفون معه.
سكون مشعل طوال الأيام الماضية و اليوم أغاظ المحقق، فقال المحقق:" سوف آخذك إلى غرفة الحاسوب سأريك بيتك كيف دمرناه،إذا ما بتعترف بنعيد تخريبه مرة ثانية"، أتى السجان وفكه من كرسي الشبح ووضع النظارات القماشية لحجب الرؤية عن عينيه واقتاده إلى الغرفة المذكورة.
مرة أخرى موجود على كرسي الشبح مقيد القدمين هذه المرة، أمام جهاز حاسوب يجلس بالقرب منه المحقق وهو يقول:" سنرى صور بيتكم بعد التكسير و مد يده الى لوحة المفاتيح و كتب في موقع محرك البحث- مشعل العربي- وضغط على خيار الصورة ، و في أقل من لحظة أوردت الشاشة كل الصور التي لها علاقة بالكلمات المفتاحية التي يبحث عنها،بحركة سريعة اختار المحقق خيار صورة البيت لتتاح له بقية صور البيت بعد التفتيش و التخريب الذي جرى ليلة عملية الاعتقال...يقوم المحقق بذلك من أجل كسر مشعل وإضعافه، يعرض أمامه كل الصور الموجودة للبيت بحالة الدمار كما يصفها الموقع.... لم يعلق مشعل إلا بهزة رأس لا تعبر عن شيء إلا الحيرة.
خلال ذلك طلب المحقق من مشعل أن يقوم بفتح بريده الالكتروني بحجة أنه يريد أن يرى إن كان هناك أخبار واردة إليه عن ما حدث للمنزل، في تلك اللحظة لم يعرف مشعل ما يجب فعله...جهله بالقانون، ارتباكه، الارهاق و اللا سبب دفعه ليمد يده للوحة المفاتيح ليفتح بريداً الكترونياً احتياطياً لا يخشى فيه شيء، من الممكن أنها كانت حركة مراوغة، لكن حسابات مشعل لم تأت كما اشتهى، فلم يتمكن من ذلك، خلل ما قد حدث، ارتباك آخر دفعه ليحاول فتح بريد الكتروني آخر لم يكن يستخدمه كثيراً، هذه المرة فتح في ذات اللحظة قام المحقق بالسيطرة على فأرة الحاسوب وبدأ بالانتقال لصندوق الرسائل المرسلة.
قلب مشعل كان يحاول الخروج من مكانه، تذكرالكثير مما يمكن للمحقق أن يجده هنا حتى لو كان ذلك منذ زمن، في هذه الأثناء في زاوية الشاشة ، انتبه مشعل لعامود المحادثة، صديقه يوسف ابن المخيم يسأل:أين مشعل؟ طمئنونا عليه، أخبروه أن كل أصدقائه قلقين عليه....لا يعرف يوسف أن سجان مشعل هو من يستخدم البريد الآن،عيون المحقق لم تكن قد وقعت على تلك المحادثة، حيث ما كان يبحث عن ما هو أثمن و ما يمكن أن يساعده في الضغط على مشعل...ضحكة عالية خبيثة رافقت عثوره على بريد مرسل للعديد من الأشخاص مرفق فيه دعوة لمسيرة لمساندة الأسرى، فتح المحقق بطنه و رافق ذلك نظرة خبيثة أخرى رمق بها مشعل محاولاً اخافته، لكن مشعل يعرف معنىً آخر للخوف، فالخوف لا يعني التراجع، بل يعني الحذر.
تنقل المحقق من رسالة مرسلة لأخرى، فوجد شيئاً آخر ، رسالة مرسلة مرفق فيها رسمة ملثم بكوفية كتب تحتها "لن نترك أسرانا وحدهم"، كرر المحقق ضحكته الخبيثة و قال: "مش ناقصني اعترافك، طباعة رسائلك يا محرض و إرسالها للقاضي كفيلة بزجك بالسجن عدة سنوات، اعترافك ممكن يخففها عليك وعنادك يعني انك مصر على مواقفك و تحريضك ضدنا."
أثناء اطلاق المحقق للتهديدات، كان مشعل غارقاً في التفكير، الجملة الموجودة في الرسمة أفاقته من الصدمة التي أصابته جراء خطأه و التعاطي مع المحقق، و كلمة "مواقفك" الواردة في تهديدات المحقق ساقته إلى كلمات غسان كنفاني:" الإنسان موقف و الموقف قضية...الإنسان في نهاية الأمر قضية"، كلمات الشهيد غسان كنفاني ساقته ليعود إلى موقف الند، وصاح وقال:"اغلق البريد، مستعد اعترف بكل ما تريد."....ابتسم المحقق و لم يرغب في تفويت الفرصة، معتقداً أن مشعل حتى الآن تحت تأثير الصدمة فأراد أن يستغل ذلك في الحصول على الاعترافات و المعلومات التي يريد، معتقداً أن مشعل قد سقط، فطلب من السجان أن يقوم بنقل مشعل إلى غرفة التحقيق مرة أخرى، هذه المرة لم يكبله أثناء النقل معتقداً أن مشعل الشامخ قد مات و الذي أمامه الآن مشعل آخر...
على كرسي الشبح دون قيود، يجلس أمامه المحقق محاولاً أن يثبت في نفسية مشعل أنه الآن مشعل آخر، مشعل المنصاع للأوامر المطيع، وليس مشعل الصامد الند المتمرد.
تحرك المحقق من خلف مكتبه ممسكاً بقلم متجهاً للوح أبيض معلق في غرفة التحقيق، وقال: "من أي سنة نبدأ بسماع قصتك؟؟؟"،كتب عام 2000 و أكمل الحديث،" به أو قبل بدأت تعمل ضدنا؟"،و سكت منتظراً الإجابة، لكنه لم يلق أي رد من مشعل، مرت بضعة دقائق من الصمت حتى قال المحقق:" يلا قص القصة..."، أجاب مشعل:"لا يوجد أي قصة لي، لا علاقة لي بشيء." حاول المحقق أن يبدو هادئاً وكأن كل شيء لم يحدث عكس ما اراد، فرد قائلاُ:" شكلك نسيت إني مش محتاج منك شيء، فكر جيداً بما قلته لك في غرفة الحاسوب"، و استمر في الحديث:" يلا اخلص من الشبح على الكرسي و خلّص حالك ، و على العموم بدي اعطيك فرصة تفكر في اللي صار."
لم يستسلم المحقق لما حدث وأراد أن يعطي نفسه الوقت ليخطط لطريقة جديدة للحصول على أي شيء يستطيع من خلاله الضغط على مشعل، بعدما فشلت جولة اليوم ورغم قصر وقتها مقارنة بالجولات التي كانت تستمر أيام وليال متواصلة بدون نوم أو راحة، إلا أنها جولة كادت تهوي بمشعل إلى القاع، إلى حفرة الهزيمة والانكسار الأبدي.
دخل السجان غرفة التحقيق بناء على طلب المحقق، لاعادة مشعل للزنزانة مقيدا مغمّى العينين.
في الزنازين لا تعرف الوقت وإنما تقدره بناء على المعطيات، مواعيد العدد أومواعيد إحضار ما يسمى وجبات الطعام...منذ ساعات الصباح حسب تقديره، بدء مشعل يستحضر صور كل من أرادوه أن يكون صامداً،بدأ يشحن نفسه لجولة أخرى..
دخل المحقق الغرفة يحمل كأسان من القهوة، طارقاً التحية متظاهراً باللطف اتجاه مشعل، فك قيود مشعل من الكرسي و عرض عليه شرب القهوة وقال :" اليوم حضرت لك مفاجأة، هل تريد اخباري بالقصة؟؟"، أجاب مشعل:" لا قصة لي..قلت لك لا علاقة لي بكل التهم"، ضحك المحقق و ترك مشعل في الغرفة وحيداً بعد أن قام بإعادة شبحه بالكرسي أكثر من ثلاث ساعات حسب التقدير، قضى مشعل أغلبها في عدّ بلاطات الأرضية، أثناء تفكير مشعل بالمجهول، دخل المحقق وقال له:" هل أنت جاهز للحديث؟"، أجاب مشعل:" قلت لك ألف مرة لا يوجد لدي ما أقوله"، هز المحقق رأسه وقال:" اذن لنذهب لغرفة الحاسوب نتسلى ونرى ما ورد عنك من أخبار جديدة".
هذه المرة مشعل مشبوح في غرفة الحاسوب، كتب المحقق في خانة البحث-مشعل العربي- واختار خيار الصور، فظهرت عشرات الصور على الشاشة، وقعت عينيّ مشعل على صورة لحبيبته عائشة وهي تحمل يافطة كتب عليها (الحرية لمشعل)، أثناء مشاركتها في اعتصام ما، لا شعور بالقوة كشعور مشعل في تلك اللحظة، عائشة هي روح اللحظات الخالية من الروح، عائشة روحه..
جال المحقق بين الصور وأعاد اختيار صور المنزل المدمر، المخلوطة مأكولاته بملبوسات أهله، أثناء ذلك قال الكثير...لكن مشعل كان يسمع ولا يسمع ، كان هنا وليس هنا، كان جسده في غرفة التحقيق، وعقله وروحه مع عائشة وأبناء شعبه الذين هم وهي معه، استعاد مشعل قواه واستعاد نفسه.
ملتفتاً لمشعل قال المحقق:"هيا لنفتح بريدك مرة أخرى لعلنا نجد ما يسعدك فيه"، محاولاً أن يعوّض هزيمته في الأمس التي تكبدها بعد اغلاقه البريد دون الحصول على مقابل، خيّم الصمت على الموقف وكان سيده، رد مشعل:"لا أريد أن أرى شيء"، حاول المحقق فتح البريد وحاول أن يتذكر ما هي الأحرف التي استخدمها مشعل لفتح البريد ليلة أمس، لكنه باء بالفشل، حاول اقناع مشعل بشتى الطرق حتى التهديد، لكن مشعل واصل الرفض لأجل أن يبقى مشعلاً ينير درب من بعده، لأجل الوطن فلسطين، رفض من أجل شعبه ومن سبقوه، لأجل رفاق دربه وحبيبته عائشة، واصل الرفض وقال للمحقق:" أن تضحك عليّ مرّة عار عليك، أما أن تضحك عليّ مرتين عار عليّ".

انشر عبر