التحديثات

أنا في عاصمة الحجارة... أنا في مخيم الدهيشة

24 نيسان / يناير 2019 10:41

عيسى قراقع
عيسى قراقع

كتب عيسى قراقع

 

 

أخي مروان البرغوثي:

السجن هو صمت الكلام، بلاغة الحشر والاغتراب واختناق الكلمات، لا داعي لأن تتكلم بعد كل هذا الغياب، سبعة عشر عاما في السجن محمولا على خمس مؤبدات تفيض عن الكلام، هي مشنقة زمنية للإعدام، وفي كل سنة جديدة تدخلها بجرح جديد، لا تعد عدد السنوات الاّ بمقدار انتباهك لكثافة الظلام، فأين أنت الآن يا صديقي؟ أما أنا فاني في عاصمة الحجارة، أنا في مخيم الدهيشة، والناس في المخيم يهدونك التحية والسلام.

اعرف انك تقرأ كثيرا، تحمي الكتب من المصادرة والتفتيشات، وأعرف أنك أصبحت معلماً ومدرساً للأسرى تزرع في نفوسهم كل الأمنيات القادمات، وأعرف أن فيك غضباً وجوعاً وشوقاً للأولاد والبنات، وأكاد أراك، في عينيك تلك اللمعة واللفتة والحزن وسكين وسؤال، وأكاد أراك، تقف على باب سجن هداريم تستمع لما يقوله لك قلبك من نزول الرعد ومواعيد الانتفاضات، لتصغي إلى صوت البحر المتوسط، يوشوشك بأسراره الدفينات، وحدك تعرف ما يقوله البحر، لك لغة من ماء وهواء، ولك الموج عاليا، حوار دائم مع السماء، تخاطبك القدس كل ليلة، فهل حولك السجن إلى متعدد في داخلك ومتجدد في خارجك لتدرب قلبك على النبض والخيال؟ وأكاد أراك.

أخي مروان البرغوثي:

أنا في عاصمة الحجارة، أنا في مخيم الدهيشة، الناس هنا تصرخ كل فجر لكي يقوم من الأمس، أن ينهض بلا خبر يعلن عن سقوط شهيد ساعة الصلاة، والناس في المخيم لا ينامون، صوت رصاص وقنابل ومداهمات واعتقالات، الأولاد يتقنون رمي الحجارة والنوم فوق أسطح المنازل، يستعدون للموت، حياتهم ليست لهم، حياتهم ليست معهم، يلبسون ملابسهم وأحذيتهم، ودعوا أحبائهم وخرجوا وهبوا وتوزعوا بين الرصاص، انتظروا وما ملوا الانتظار، اشتبكوا وحلقوا وظلوا معلقين في الريح، لاجئين فقراء ساخطين يعرفون أن لهم بيوتا خلفهم وشتاءً واشجاراً واسماءً يغسلها المطر كل عام.

أخي وصديقي مروان البرغوثي:

كيف أقلعت بالسفينة وحدك؟ وكان حولك اخوة أعداء، كيف خرجت من الموت والأهوال وحدك؟ لم يستطيعوا أن يبرمجوك ويصهروك، فتمردت على نظام الطاعة والإذلال، رفضت خطتهم بتحويل الأسرى أنفسهم لحاملي سلطة السجان ليمارسوها على أنفسهم حتى لا يفقدوا الامتيازات، وكنت ترى بأم عينيك كيف عملوا على إجهاض البنى التنظيمية للأسرى وإفراغها من محتواها بتوفير وفرة مادية من الفتات والشكليات، كان شركا لم تقع فيه، كنت صاحيا عنيدا قادرا على التمييز بين الحرية والخنوع والامتثال. وهنا في مخيم الدهيشة وصلت رسالتك للناس، جاؤوا من كل الحارات إلى الرصيف، عرفوا تماما أين تبدأ الحرية وأين تنتهي، هناك قانون بين الشعب والاحتلال، هناك خيار وحيد كما قلت: الانحياز للحرية والعودة والاستقلال.

أخي وصديقي مروان البرغوثي:

كيف حالك بعد الإضراب الأخير، إضراب الحرية والكرامة، هل أخرجوك من زنزانة عزل سجن الجلمة بعد 42 يوما من الجوع والتحدي؟ هل فتحوا القبر عليك؟ كيف حال الأسرى الذين أصيبوا بأمراض صعبة خلال الاضراب؟ هل لا زالوا في المستشفيات الميدانية؟ موسى صوفان، عثمان أبو خرج، ظافر الريماوي، ياسر أبو تركي، ستيفن عنبتاوي، محمد زواهرة، بلال عجارمة، ناصر أبو حميد، عماد السراج، ابراهيم أبو مصطفى، خليل شيلو، أحمد حرب، أما بخصوص فادي أبو عطية اعلمك أن ذاكرته لا زالت وراءه تشتبك مع جنون القمع في تلك الليالي الدامية، لقد تحالفوا عليك، السجانون وأجهزة الأمن والجيش والقضاة والأطباء والإعلاميون ورجال "الكابو"، خنقوك وجففوك وأحكموا إغلاق الصوت والباب، اجتمعت حكومة إسرائيل وبرلمانها وهيئة أركانها الحربية وقرروا أن مطالبك الإنسانية سوف تكشف وحشيتهم، وتخرج الشيطان من داخلهم، وكان يجب أن تموت جسدياً ومعنوياً ولا تكمل الأغنية والرواية. تفكيرك الجمعي يجب ان يصير فردياً، حرصك على الوحدة الوطنية يجب ان يتدمر، هي خطتهم السياسية الموجهة لتفريغ وفردنة الأسرى وتحطيم كل ما من شأنه أن يحولهم إلى جماعة، عبر التصدي للتفكير أو مجرد الاعتقاد وفكرة العمل والنضال أو الهوية المشتركة.

أخي وصديقي مروان البرغوثي:

إن سألت عن أحوالنا، فهي بخير، ها أنا أجلس على رصيف المخيم، يجلس بقربي المصاب لطفي الأخرس الذي لا زالت الرصاصة في جمجمته، نشرب القهوة وندخن، صورك على الحيطان، الناس لا يتوقفون يتحركون حتى في النعوش، الحرية تحولت إلى مفارقة مدهشة، السجن صار كبيراً، الكنتونات والجدار والمعازل وهناك في السجون.

أحاول دائماً أن أكتب لك، لكن جرافة إسرائيلية تكبح حصاد خيالي، جندي يستمتع باعدام الطفل أركان مزهر، يمر الجميع من هذا الشارع الذي صار مساراً للجنازة، لا يلتفتون إلى بيت الشهيد علي الجعفري، الناس مشغولة باستبدال الأقدام المصابة بالرصاص بالعكازات، لحم ودم على التراب وعلى الحجارة وفي كتب المدارس، الناس تريد أن تبقى واقفة حتى في الموت والنشيد.

أخي وصديقي مروان البرغوثي:

في مؤسسة ابداع في مخيم الدهيشة قرأنا كتابك الف يوم في الزنزانة الذي جاء فيه: إن الاحتلال قد مات ولا مستقبل له، وإن على إسرائيل أن تشيع هذا الاحتلال إلى مقبرة الفاشية والنازية والعنصرية والإرهاب، ولن تستطيع الجدران والحواجز والاعتقالات والإعدامات إنقاد هذا الاحتلال". وقرأنا بأنك مصر على أن تجعل من الأمل أملا تربيه وتحميه وتقويه، عندها بكت أم نضال أبو عكر، وخرجنا نودع أم السبعة أسرى فاطمة الحسنات. هنا أمهات لم يجتمعن مع أولادهن سنوات وسنوات حتى في المقبرة، فنحن في المخيم نقرا ما بعد الموت، حياتنا القادمة، وانت هناك بالسجن تواجه ما يسمى لجنة اردان التي تمارس القمع والبطش وتستهدف الانفضاض على حقوق الأسرى وعلى حياتهم السابقة واللاحقة، فأرجوا أن تسامحنا فقد دقت أجراس الميلاد حولنا، الساحة مليئة بالصلبان، وبعد قليل سيترجل الشهداء ويخاطبوننا في صلاتهم الجماعية.

أخي مروان البرغوثي:

أنا في عاصمة الحجارة، أنا في مخيم الدهيشة، أنا لا أراك، لكنك تراني، كيف تراني من الزنزانة؟! تصافح الناس وتزور المغارة، رائحتك هنا، رائحة الصيف والشتاء، هطول الثلج والسحابات الماطرة، خطواتك واضحة من قرية كوبر إلى الجامعة، تحفظ أسماءنا كلها، تميز تماماً بين الواقع والاستعارة، تحدد الفارق بين الرؤى والعبارة.

انشر عبر