التحديثات

بعد المنامة، ماذا نحن فاعلون!!

03 تشرين ثاني / يوليو 2019 09:33

أكرم عطا الله
أكرم عطا الله

كتب أكرم عطا الله

انتهت ورشة المنامة التي استدعت كل هذا الغضب على عالم تخلى عن كل القيم التي أنتجتها البشرية بالدم وبالتضحيات. عالم كان المال سيده الأول؛ لأن لقاءً عنوانه الأكثر سطوعاً هو شطب القضية الفلسطينية كان يجب أن يكون محل إدانة على المستوى الدولي وأكثر على المستوى العربي، لكن عندما تنهار الأخلاق والمعايير يصبح كل شيء جائزاً.


انتهت حفلة الخداع الكبرى غير التنكرية، التي حضرها من حضر بملامحه المكللة بالخجل وضمير تاريخ لن يكف عن ملاحقتهم... عندما كان الحلال بيّن والحرام بيّن اختاروا حراماً سياسياً هو الأشد كفراً بين أخطاء وخطايا مورست ضد الفلسطيني على امتداد عقود مضت، كانت الأرض تسرق في وضح النهار والدم لم يتوقف عن النزيف. فقد أغلقوا عيونهم وآذانهم وفتحوها مرة واحدة حين دعاهم ذلك الأحمق للحجيج على دمنا ليأتوا خلسة من كل فج عميق.
 

انتهت ورشة لم تجلب سوى الخجل لمنظميها ومخططيها ولمن حضرها، ولكن تداعياتها كانت شديدة القسوة على شعب كان يتطلع لإقامة دولته وإذ به يشاهد أسوأ مسرحية في التاريخ.. مسرحية الممثل الواحد جاريد كوشنر، والباقي مجرد جمهور يعتقد أنه قريب من الخشبة.


التداعيات السيئة أن إسرائيل تمكنت من الاحتفال وسط خليجنا بتقدمها علينا وسط العرب، وقدرتها على أن تقفز في مراكبهم وأحضانهم المفتوحة لاستقبالها، وكأن إسرائيل جزء من هذه المنطقة بأثر رجعي أكثر رجعية مما نحن فيه وأكثر بؤساً. والمسألة الثانية أن بعض العرب لم يخجلوا من حضورهم ورشة قال الفلسطيني كلمته فيها، لتسقط ورقة توتهم التي كانوا يقولونها: إنهم يقبلون ما يقبله الفلسطيني. وحينما أعلن الفلسطيني موقفه ذهبوا وتركوه وحيداً.


بعضهم لشدة عريه صبّ جام غضبه على الفلسطيني؛ لأنه رفض بغيابه إعطاء شرعية الاقتراب والتقارب والتطبيع مع إسرائيل. كم كان ذلك مزعجاً لمن كان يريد أن يمتطي عظام الفلسطينيين ليصل إلى تل أبيب، فقد سار دون غطاء مكشوفاً دون أن يتوقع، فأصيب بالصدمة التي عبّر عنها السعودي «فهد الشمري»، حين قال: إن الأقصى معبد يهودي، وتلك كانت قمة فقدان التوازن، وبالتأكيد هو لم يكن وحيداً وربما كان هذا لسان كثير ممن تساقطوا من هذه الأمة التي أصبحت مطية التاريخ، يعتليها من شاء ومتى شاء من تل أبيب لواشنطن، وما بينهما.


وسط انهيار المعايير التي أصبحت أمامنا بكل هذا الوضوح وبلا مواربة أو إخفاء كما اعتاد البعض أن يختبئ خلف المواقف أو الكلمات، بتنا أمام حقيقة أن عمقنا العربي لم يعد عمقاً، وأن محيطنا في أحسن حالاته أصبح محيطاً سلبياً تجاه حقوقنا الوطنية. 


وهنا نفرق بين الدول لنعلي من شأن الكويت، ويبدو السؤال أمام حقيقة الحقائق: أي سياسة سنرسم وكيف سندير سياستنا وعلاقاتنا الدولية والإقليمية؟ وما هي خارطة طريقنا؟ 
لا نريد أن تكون ردود فعلنا صوتية صاحبت الورشة وهدأت بعد أن انتهت الورشة، أو أن تكون سياستنا كما اعتدنا هي صدى للصوت الأميركي الإسرائيلي, أو أن تكون ردود فعل عاطفية لسياسات يتم التخطيط لها وتجري على الأرض بكل جدية، فلا مجال هنا مرة أخرى لترف الوقت كما فعلنا بالمصالحة وأنهكنا ما تبقى من إرادة وطنية لشعب انتظر أن تقدم قواه السياسية الأفضل ليصاب بصدمة النماذج التي تشبه النموذج العربي.


لا مجال لترف الوقت لقضية حدث لها كل هذا التآكل على المستوى الدولي والعربي, وحدث لها كل هذا الانقسام الداخلي والتشتت والتشظي, وانهار عمود خيمتها وهو الوحدة التي اتكأ عليها في كفاحه الطويل منذ أكثر من سبعة عقود. وإذا كنا نعتقد أن الورشة انتهت فإن نتائجها قد بدأت وعلينا التحضير لها.


عندما اتخذ البرلمان الألماني قراراً بتجريم حركة المقاطعة، سألت بعض الأصدقاء العرب القريبين من الساسة الألمان، ليقولوا: إن أغلب البرلمانيين الذين صوتوا على القرار لم يعرفوا شيئاً عن القضية الفلسطينية، ولم يتصل أو يتواصل معهم أحد من الساسة الفلسطينيين، بينما كانت إسرائيل التقت بهم واحداً واحداً، وأقنعتهم أن تلك الحركة هي حركة عنصرية، فهم صوتوا ضد العنصرية ولم يعرفوا أنهم ضد فلسطين.


هذا كان يصلح نموذجاً لقصور السياسة لدينا وإدارتها. فقد استنزفنا أنفسنا في الصراعات الداخلية وخارت قوانا، وأخشى أننا فقدنا ما تبقى من احتياط القوة لصراعنا الرئيسي، وعلينا أن نعترف أن الصراعات الداخلية، شئنا أم أبينا، كانت على حساب مشروعنا، فقد تشتتت السياسة وأصبحت ضد بعضها، وتشتتت جاليات الخارج وأصبحت تتنافس مع نفسها بدل أن تتنافس ضد إسرائيل، ولم يبق لديها متسع من العمل ضدها. هذا هو واقعنا وعلينا الاعتراف أننا بهذا الشكل لا نواجه صفقة القرن ولا تداعيات ورشة أصغر من البحرين إلا إذا اعتبرنا أننا بالصوت ممكن أن نهزمهم كما كانت أغنياتنا الوطنية تصف العرب في حرب بيروت: «بالصوت كانوا معانا في بيروت والصورة ذابت في المية».. ونحن الآن على أمل بأن يكون هناك أكثر من الصوت في مواجهة كل هذا العبث والبلطجة السياسية!!!

انشر عبر