التحديثات

مات محمد الفاتح وكسرت المرايا

09 تموز / يونيو 2020 01:06

الشهيد رمضان شلح
الشهيد رمضان شلح

كتب محمد حجازي

حدثني جدي "أبو عاطف" – رحمه الله – ذات يوم، أن إمام مسجد العودة الشيخ إبراهيم سالم في شمال غزة، كان يرفض أن يعتلي المنبر أحداً غيره، لكنه رضي بذلك لشاب يلبس كوفية سمراء، ذلك الشاب كان رمضان شلح . قبل ساعات من وقوع الخبر، كنت أردد عفوياً عبارة مقتبسة من كلماته الشهيرة: "شهياً كأول الطريق"، وهي من رثائه بحق أبي إبراهيم. لا أعرف حتى اللحظة، لماذا حلت تلك الكلمات بخاطري!. يقول فيها: "كنتَ من بيننا الرجلَ (البُندقة) التي لا تنكسر، هشاً من الداخل كحمامة، قريباً كالمطر، دافئاً كبحر أيلول، وشهياً كبداية الطريق". كأني بحزيران الأحزان يأبى أن يمر دون أن يبعث في الحزن روحه، وينفث في القلب حكايته الحزينة، فكانت تلك القامة المديدة، الشاهدة والشهيدة، في البلاد القريبة والبعيدة. اليوم، مات محمد الفاتح، صاحب المرايا، الذي ينظر بها إلى كل الجهات والزوايا، لكن البوصلة هنا، فيما تدور الدوائر حولها، وتدور المعارك ولا تنتهي، وتمضي القافلة إلى حيث تشتهي. مات الرجل الذي أحبه الجميع، واتفقوا على نعيه بما يليق به، كما مات من قبله جورج حبش، وعبد العزيز الرنتيسي، وعبد القادر الحسيني، وعز الدين القسام. ماتوا والناس في شوق لأيامهم وفي حسرة على ما فات بعدهم. مات الذي كان يمكن أن يموت بطريقة تراجيدية، كما يموت العظماء، لكنه مات صامتاً، كأني به في صمته قد قال ما ينبغي أن يقال، وكأني بنفسي أراه قد قال رواية موته قبل صمته الأبدي. مات السياسي والاقتصادي والمثقف الواعي والخطيب المفوه والشاعر المرهف والأديب الرصين، مات الذي كان أكبر من مجرد حركة، أو أمين عام حركة، لكنه كان ابن الفكرة البار وشهيدها الفذ. مات الذي كان يجلس في مكتبته العامرة عشر ساعات يومياً، ويملك موسوعة ثقافية وأدبية وسياسية متنقلة، تسكنه وتنطق بها جوارحه، كان ذو حجة وبصيرة وناطقة فصيحة. مات الذي كان يكتب القصائد والأشعار لرفاقه، والكلمات لأبنائه الذين كان يعرفهم ويسمع أصوات رصاصهم، لكن الحدود كانت تفصل بين زمن الشاهد والشهيد. مات الذي لم يحقق حلمه، كان حلمه بسيطاً، كبساطة الماء بين يدي طفل، كان يرغب أن يزور غزة، وأن يحج بيت الله الحرام، وأن يجمع الله الشتيتين من أبناء شعبه. عزائي لصديقي الشهيد علي السكافي، وهو يمد ذراعيه الاَن لاحتضان حبيبه أبا عبد الله، كم كان يحبه، كم كان في قلبه حصة لابن شجاعيته، للرجل الذي كان يبهره بكل شيء. هنيئاً للمعلم أبي إبراهيم، وهو يجهز فراشه المعرش بالياسمين الدمشقي في مخيم اليرموك عاصمة الشتات، لاستقبال خليفته إلى جواره، ليكمل له رواية ما بعد السادس والعشرين من تشرين 95. سامحنا يا أبا عبد الله.
انشر عبر