التحديثات

عالم الفيزياء الفلكية في غزة يحارب الاحتلال بالعلم

13 تموز / فبراير 2017 06:27

دكتور سليمان بركة عالم الفيزياء الفلكية سليمان بركةفيزيائي فلكي
دكتور سليمان بركة عالم الفيزياء الفلكية سليمان بركةفيزيائي فلكي

إذاعة صوت الأسرى - الجزيرة

لم يوقف العيش في قطاع غزة المحاصر شغف عالم الفيزياء الفلكية سليمان بركة عن تقليب نظره في الكون، فهو يرى أن "علم الفلك هو علم كل شيء"، ويضيف للجزيرة وهو يجلس في غرفة مكتبه الصغيرة التي يتقاسمها مع اثنين من الطلاب الباحثين "عندما تَدرس علم الفلك فأنت تدرس نفسك، لأنك جزء من هذا الكون".

أوراق متراكمة وكتب مرتبة إلى جانب عدة أجهزة حاسوب، ولوح أبيض يمتلئ بخربشات من المعادلات، جدران القاعة مرصعة بملصقات للكواكب والنجوم، وجهازا تلسكوب موضوعان في صندوقين من الورق، تلك عُدة مركز صغير لعلم الفلك وعلوم الفضاء يشرف عليه بركة، ويهدف -على تواضع تجهيزاته- إلى وضع فلسطين على خريطة البحوث في هذا المجال.

يقول بركة، الذي يجاوز عمره نصف قرن بقليل، بفخر "ليست لدينا مختبرات متقدمة، لذلك طلابنا يركزون على التحصيل النظري أكثر، وهم متفوقون فيه، حتى إن أحدهم نشر كتابا".

أبحاث بركة الخاصة بدراسة الأحداث الشاذة في الغلاف المغناطيسي بالمنطقة، جلبت له تعاونا مرموقا من علماء فرنسيين، كما أن جامعة بير زيت في الضفة الغربية المحتلة تزوده ببعض التجهيزات.

"بركة، الذي أدخل عام 2010 أول تلسكوب إلى غزة وهبه إياه الاتحاد الدولي للفلك، يعمل الآن مسؤولا عن كرسي علم الفلك والفيزياء الفلكية وعلوم الفضاء الذي استحدثته اليونسكو عام 2012 في غزة"

بركة، الذي أدخل عام 2010 أول تلسكوب إلى غزة وهبه إياه الاتحاد الدولي للفلك، يعمل الآن مسؤولا عن كرسي علم الفلك والفيزياء الفلكية وعلوم الفضاء الذي استحدثته اليونسكو عام 2012 في غزة، وتحتضنه الجامعة الإسلامية بالمشاركة مع جامعتي الأزهر والأقصى.

منذ ثلاثة عقود وبركة ممنوع من مغادرة غزة ودخول إسرائيل والضفة الغربية، لذلك يقول "لا يمكنني العمل بمعايير الولايات المتحدة في الوقت الذي أنا فيه محاصر مثل سجين في غزة، لقد كانت آخر مرة عبرت فيها معبر إيريز في 16 ديسمبر/كانون الأول 1987".  

ويضيف أن آخر مرة ذهب فيها إلى الولايات المتحدة للعمل لدى إدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) استغرق الأمر منه سبعة أشهر للمغادرة وشهرين للعودة، في انتظار فتح الحدود.

لكن الصراع مع إسرائيل قد كلف بركة أكثر بكثير من هذا، فقد قُتل ابنه إبراهيم البالغ من العمر 12 عاما، في غارة جوية إسرائيلية خلال الحرب على غزة 2008-2009. ومع ذلك يقول إنه بدأ تدريس زملاء ابنه "العلوم والسلام وليس الحرب والانتقام".

ويضيف "يمكن أن تموت بسهولة من أجل فكرة أو مبدأ، لكن الشيء الصعب أن تعيش لأجل مبدأ أو قضية، ولذلك قررت العيش لأجل القضية الفلسطينية، وأفضل طريقة لتحقيق ذلك هي العلم والتعليم".

هذا الشغف دفع بركة لتنظيم جلسات مفتوحة كل أسبوع في الصيف الماضي، حيث يجتمع فيها الطلاب والهواة والجمهور على سقف جامعة الأقصى لمراقبة الفضاء عبر جهاز التلسكوب، في حين أن بعض طلاب بركة شكلوا مجموعة تعقد حلقات عمل للشباب في علم الفلك.

ويقول بركة إنه لم يشارك في الصراع المسلح إبان الانتفاضة الأولى، لكنه بدلا من ذلك خاض معركة أخرى، وهي تدريس الأطفال، حتى لو كان ذلك في بعض الأحيان في فصول تحت الأرض بعد أن أغلق الجيش المدارس.

ويؤكد أنه كان يعمل أيضا في ملحمة والده من الثامنة صباحا حتى الثانية عصرا، ثم يذهب في فترة ما بعد الظهر ليتطوع في تدريس الفيزياء والرياضيات والجغرافيا، ويقول "درسنا الطلاب في المنازل وفي المساجد والكنائس، لقد درسناهم تاريخ فلسطين الذي منعته قوات الاحتلال، وبعض طلابي أصبحوا أطباء ومهندسين".

لا يوجد أحد من خارج غزة في جامعاتها، مما يقلل فرص وجود برامج تبادل تعليمي مع الخارج، ويقول بركة إن "بعض الطلاب في الهند أبدوا رغبة في الحضور إلى هنا، لكن لا يسمح بالدخول إلا للعاملين في المجال الإنساني والصحفيين والفلسطينيين، وذلك بعد المرور بمتاهة من التصاريح التي تصدرها السلطات الإسرائيلية والمحلية".

ويشير بركة إلى أن جامعة الأقصى شهدت أيضا انخفاضا في عدد الطلبة هذا العام، وسط النزاع بين السلطات في غزة ورام الله حول إدارة الجامعة، كما أعلنت وزارة التربية أن شهادات طلاب الجامعة قد لا تكون معتمدة، مما أدى إلى انخفاض عدد الطلاب الملتحقين هذا العام من ثلاثة أو أربعة آلاف إلى خمسمئة فقط.

ورغم أن الحرب الأخيرة على غزة في 2014 أدت إلى خسائر ضخمة، فإن بركة ما زال متفائلا بالمستقبل، ويقول" الفيزياء احتمالات، وهي أغنى من جميع العلوم، وتكشف كل شيء من حولنا، وهي تطلق خيالنا، فتتسع آفاقنا؛ وبالتالي يتعمق فهمنا ونصبح أكثر سلاما وحكمة".

انشر عبر