التحديثات

مأساة الحسين بين البُعدين: المذهبي والإنساني..بقلم د. وليد القططي

03 آب / أغسطس 2017 12:22

thumb
thumb

من سيئات ما يُسمى بالربيع العربي أنه أطلق مخزون الشر الكامن في النفوس الأمّارة بالسوء والفعّالة للشر؛ فأغرى أصحابها بضرب رقاب بعض واستحلال دماء وأعراض وأموال بعضهم البعض. وأنه فجّر براكين التناقضات الداخلية للعرب فألقى بينهم العداوة والبغضاء ربما إلى يوم القيامة؛ فوثب بعضهم على بعض تقتيلاً وتهجيراً وإذلالاً. وأنه أيقظ الفتنة النائمة التي لعن الرسول الأمين- عليه الصلاة والسلام- من أيقظها، وأيقظ معها تراث ثقيل من ثقافة الكراهية ومشاعر البغضاء وأفكار الانغلاق ورؤى الإقصاء...

وفي ظل بحر الفتنة اللُجّى المظلمة مياهه والمتلاطمة أمواجه والعميقة طبقاته يتم توظيف أحداث التاريخ المأساوية كوقود لا ينفذ لتأجيج نار الفتنة، وزيت لا ينضب لإشعال سعير الكراهية، ومدد لا يفنى لإيقاد لهيب العدائية. ومن أبرز هذه الأحداث مأساة الحسين الذي يعني إحيائها المتواصل وتوظيفها مذهبياً أن الأمة لا زالت تعيش رواية مأساوية متواصلة بدأت فصولها بمأساة الحسين، ولا زالت فصولها تتوالى وآخرها مأساة غرق الأمة بدمائها، وانشغالها بصراعاتها الداخلية، وتجاهل عدوها المركزي المتربص بها، بل واختراع عدو لها من داخلها.

ولكي نخرج من أسر كلتا المأساتين- الحسين والأمة – من المفيد رؤية مأساة الحسين في إطارها الإسلامي العام – وليس المذهبي- ، وفي إطارها الإنساني الأوسع- وليس الإسلامي فقط-، وهذا يتطلب استلهام القيم والمعاني والدروس والعبر المُستخلصة من المأساة وتوظيفها لتعزيز مبدأ وحدة الأمة الإسلامية، ودعم مجموعة القيم الإنسانية المشتركة التي تُعلي من قيمة الإنسان وكرامته وحريته، واستلهام أخلاق الثورة والبطولة والشجاعة والرجولة والتضحية والفداء في سبيل ما يؤمن به الإنسان من عقيدة ومبادئ.

وفي هذا الإطار تناول الكاتب الكبير عبدالرحمن الشرقاوي مأساة الحسين في أحد أعماله الأدبية المسرحية باسم (الحسين ثائراً والحسين شهيداً) التي كتبها بعد هزيمة حزيران 1967 في محاولة منه لتحدي عوامل اليأس والهزيمة التي دبت في نفوس العرب عقب النكسة، فأراد من خلال مسرحيته بث قيم المقاومة والصمود والاستبسال حتى لو كانت الظروف الموضوعية تسد فينا أبواب الأمل، كما أراد استحضار شخصية البطل المقاوم الذي يقول ما يعتقده ويناضل في سبيل ما يراه حقاً حتى لو دفع حياته ثمناً لما يعتقده. وكذلك تجسيد شخصية البطل نصير الفقراء والبؤساء بقوله على لسان الحسين " وإذا شكي الفقراء، واكتظت جيوب الأغنياء، فلتذكروني... وإذا تبقى فوق مائدة إمرءٍ ما لا يريد من الطعام، وإذا اللسان أذاع ما يأبى الضمير من الكلام، فلتذكروني...".

وفي كتاب (أبناء الرسول في كربلاء) يقول المفكر الإسلامي المصري خالد محمد خالد في الفصل الرابع من الكتاب تحت عنوان (الحصار والدرس) "إنما درس اليوم من عظمة التضحية وقداسة الحق، درس اليوم فحواه أن التضحية قيمة بذاتها، وأن الحق قيمة بذاته، وهما لا يستمدان جدارتهما ومكانتهما مما يحرزان من نصر، أو يكتسبان من مغنم وسلطة، فالانتصارات والمغانم يظفر بها الباطل أحياناً، ويحققهما الإذعان أحياناً، وإذن فالصفة المميزة للتضحية، أنها التضحية وحسب، والصفة المميزة للحق، أنه الحق وكفى، والمثوبة العظمى التي ينفرد بها أبطال التضحية وأبناء الحق، هي انتماؤهم العظيم للتضحية والحق... أجل هذا هو الدرس الجليل الذي كان القدر يلقيه على الدنيا في يوم كربلاء، مُتخذاً من حركة القتال وسير المعركة وسائل إيضاح... لقد رفضوا الباطل واختاروا الحق، ثم رفضوا الصمت وآثروا المقاومة، ثم رفضوا المساومة وصمدوا مع إيمانهم...".

ولم يكن مؤسس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وأمينها العام الأول الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي بعيداً عن هذا الإطار عندما أسس مع إخوانه الحركة عندما استلهم تجربة الحسين في دحض كل الأعذار المعيقة والمؤجلة للثورة- وما أكثرها إذا لم تتوّفر فيه الجهاد وإرادة المقاومة- فقال: "لأن الإمام الحسين كان رمز الثورة وجذوتها المشتعلة فقد اعتمدت بوعي رؤيته للثورة والتزمت بها، وأعلنت أن الثورة عمل غير مؤجل، وأن الواجب فوق الإمكان، وأن مهادنة العدو والهروب من مواجهته حتى تكتمل ما تُسمى بالقدرة المتكافئة هو وهم يشل الحركة ويقتلها" . وفي ربط مبدع بين تجربتي الحسين والقسام يقول: "... ما أعجب هذا اللقاء بين القسام والحسين، قلة مؤمنة قليلة في مواجهة جيوش جرارة، ولكن انتصار الواجب المقدس في صراع الواجب والإمكان... روح واعية مسؤولة في وسط بحر من اللامبالاة والتقاعس".

وفي الختام يُمكن القول إجمالاً لما مضى أن ليس هناك معنى لمأساة الحسين وثورته إذا تم توظيفها لتأجيج نار الكراهية والبغضاء بين أبناء الأمة الواحدة بل بين كل بني البشر، وإذا ما اُستخدمت وقوداً لتفكيك أواصر الوحدة الإسلامية والتضامن الإنساني، وإذا ما اُستغلت لتدمير قيم الإخوّة والمحبة والتعاون في الدائرتين الإسلامية والإنسانية... وأخيراً ليس هناك معنى لكل المآسي الإنسانية والثورات العالمية إن لم تجسّد القيم السامية الجميلة والمعاني الراقية الحسنة، وإن لم تزد الإنسانية تقدماً ورُقياً وإن لم تزد الإنسان قدرة على رفض الباطل والظلم والدجل ومقاومة الاستبداد والفساد والاستكبار ... ولعل ما قاله الأديب والمفكر المصري عباس العقاد في كتابه (الحسين أبو الشهداء) تعقيباً على استشهاد الحسين خير ختام لهذا المقال: "مسكينة هذه الإنسانية ! لا تزال في عطش شديد إلى دماء الشهداء، بل لعل العطش الشديد يزداد كلما ازدادت فيها آفات الأثرة والأنانية ونسيان المصلحة الخالدة في سبيل المصلحة الزائلة، أو لعل العطش الشديد إلى دماء الشهداء يزداد في هذا الزمن خاصة دون سائر الأزمنة الغابرة. "  .

انشر عبر