التحديثات

التطبيع الإعلامي وأُكذوبة الرأي والرأي الآخر..

21 تشرين أول / ديسمبر 2017 12:53

د.وليد القططي
د.وليد القططي

بقلم : د. وليد القططي

 

بعد حلقة برنامج الاتجاه المعاكس في قناة الجزيرة القطرية التي استضاف فيها فيصل القاسم المستوطن الصهيوني موردخاي كيدار وأعطاه مساحة واسعة لتقديم وجهة نظره الاحتلالية الاستيطانية وروايته الإسرائيلية الصهيونية المُطعّمة بالاستعلاء اليهودي وتوجيه الإهانات للفلسطينيين والعرب والمسلمين؛ برز إلى السطح مجدداً موضوع التطبيع الإعلامي بأدواته وأساليبه المتعددة، وأهمها: استضافة القادة والناطقين والصحفيين الإسرائيليين على القنوات الفضائية العربية والصُحف الورقية والإلكترونية وغيرها، وعندما تناقش الإعلاميين المطبعين في أسباب استضافتهم لهم يتكلمون عن المهنية الصحفية التي تقتضي نشر الرأي والرأي الآخر، وكأن سماع الرأي الآخر الإسرائيلي الصهيوني يدخل في إطار هذه القاعدة الإعلامية، وهو نوعٌ من الخداع وضربٌ من التضليل لا ينبغي أن يمر مرور الكرام.

قبل مناقشة وتفنيد هذا الزعم الباطل من المفيد توضيح معنى التطبيع بشكل عام والتطبيع الإعلامي بشكل خاص، فالتطبيع في اللغة مصدر طبّع، أي جعل الأمر طبيعياً، وطبّع العلاقات بين الدولتين جعلها طبيعية عادية، ومن مرادفاتها (الترويض) بمعنى ذلل وطوّع وأخضع، فعندما نقول روّض الفرس أي جعل سلوكه مضبوطاً كما يريد صاحبه، وقياساً على ذلك إذا عرفنا أن التطبيع مطلب إسرائيلي فإن معناه هنا جعل سلوك العرب مضبوطاً كما تريد (إسرائيل). وهذه المعاني تنطبق على المعنى الاصطلاحي السياسي للتطبيع، فيعني جعل العلاقات طبيعية بين الدول بعد فترة زمنية من الحروب والصراعات والقطيعة. وفي الحالة العربية الإسرائيلية يشير إلى قبول دولة (إسرائيل) باعتبارها دولة طبيعية وسط الدول العربية والإسلامية، والاعتراف بشرعية وجودها والتعايش السلمي معها، واقامة علاقات سياسية واقتصادية وثقافية معها، ومدخل كل ذلك وبوابته التطبيع الإعلامي.

 

 

جوهر التطبيع الإعلامي نشر الرواية الإسرائيلية للصراع بأبعادها اليهودية المزوّرة والصهيونية المُلفقة عبر المنابر الإعلامية العربية لتدخل كل بيت عربي من أجل اختراق عقولهم وقلوبهم ونفوسهم للتشويش على الرواية الفلسطينية للصراع ببعديها القومي العربي والديني الإسلامي وصولاً إلى استبدالها بالرواية الإسرائيلية، أو على الأقل كسر الحاجز النفسي واختراق المناعة العاطفية الذي يحول بين شعوب الأمتين العربية والإسلامية وبين قبول دولة (إسرائيل) كأمر واقع في المنطقة وفي العقل العربي والإسلامي. هذا الهدف من التطبيع لم يُعدْ سراً فقد صرّح به مدير قناة الجزيرة في فلسطين وليد العمري في مقال سابق له نشره في جريدة هآرتس العبرية بعنوان (قتل حامل الرسالة) قال فيه: «كانت إسرائيل إحدى الدول المعزولة في الشرق الأوسط ولولا الدور الذي لعبته القناة لما عُرفت إسرائيل... منذ تأسيسها قدمت الجزيرة لإسرائيل قناة نادرة لعرض وجهة نظرها ورؤيتها أمام العالم الإسلامي وإقامة حوار معه.» .

هذا الحاجز النفسي الذي اعتبره السادات عقب زيارته للكيان وعقد صلح معه أنه العائق أمام السلام وإزالته شرط لقبول التعايش السلمي مع الكيان الصهيوني، وهو الحاجز الذي يعمل الإعلاميون المطبعون على إزالته من عقول وقلوب ونفوس كل العرب والمسلمين من أجل تقبل دولة (إسرائيل) في نفوسهم قبل تقبلها في واقعهم، وهو نفس الحاجز الذي تحدّث عنه نتنياهو متبرّماً بأن « العائق أمام السلام في المنطقة هو معاداة الشعوب العربية لإسرائيل وليس قادة دولهم» ولقد صدق نتنياهو وهو كذوب فهؤلاء القادة ونخبهم الحاكمة ومن تبعهم من الإعلاميين المطبعين ارتبطت مصالحهم ووجودهم بعلاقتهم بأمريكا التي أوحت لهم أن بوابة الرضى تمر عبر (إسرائيل)، بينما ظلت الشعوب بفطرتها السليمة بعيدة عن التطبيع ورافضة له.

ولتبرير التطبيع الإعلامي زعم المطبّعون أن ذلك من باب المهنية التي تقتضي نشر الرأي والرأي الآخر، مع العلم أن ذلك المبدأ لا يتم الالتزام به مع المعارضين للأنظمة الحاكمة التي يعمل لحسابها المطبعون. وهذا المبدأ لا ينطبق على الصراع مع الكيان الصهيوني؛ ذلك بأنه ليس خلافاً في الرأي يُمكن حله بالحوار والنقاش أو تقريب وجهات النظر بين الطرفين، أو يمكن أن يكون كلا الطرفين على صواب، فإذا قلت: من الأفضل للمرأة أن تخرج للعمل، وجاء غيري فقال: من الأفضل للمرأة أن تجلس في البيت، فكلا الرأيين يحتمل الصواب والخطأ. ولكن لو قلت: أن الأرض تدور حول الشمس، فهذه حقيقة لا يستطيع أحد أن يناقضها بالقول: أن الشمس تدور حول الأرض، وهذا ما ينطبق على الصراع مع الكيان الصهيوني فاحتلال وسرقة فلسطين حقيقة راسخة لا يقابلها إلاّ الباطل، وصواب مطلق لا يقابله إلا الخطأ. وبالتالي الحقيقة لا تخضع للرأي والرأي الآخر بخلاف الرأي الذي يخضع لهذه القاعدة ومن هنا فإن المجيء بممثلي دولة الاحتلال لطرح آرائهم وروايتهم مقابل الرواية الحقيقية هو تضليل وخداع يُراد منه تثبيت وترسيخ الرواية الإسرائيلية الباطلة وزعزعة الثقة والإيمان بالرواية الفلسطينية الحقيقية.

والخلاصة أن التطبيع الإعلامي الذي يتم تحت أُكذوبة الرأي والرأي الآخر يتجاهل طبيعة الصراع مع الكيان الصهيوني، فهو صراع وجودي بمعنى أنهم اقتلعوا وجودنا من فلسطين كشعب وككيان وطني، ولا يتم حسم الصراع إلاّ بإزالة وجودهم، وليس مجرد نزاع على الحدود يتم حله بتقاسم فلسطين بيننا وبينهم أو إعادة ترسيم الحدود، وبالتأكيد ليس مجرد خلاف في الرأي يتم حله بالمناظرات التلفزيونية والاتيان بالروايتين أمام الناس ليأخذوا بأحسنها... إذن فلتُدفن هذه الأُكذوبة وليتوار  المطبعون عن وجوهنا.

انشر عبر