التحديثات

من رواية كيف جعلوني عميلاً؟ فصل مقابر الأحياء

13 كانون ثاني / ديسمبر 2020 11:15

رواية كيف جعلوني عميلاً
رواية كيف جعلوني عميلاً

الكاتبة الروائية رنين دراغمة / جنين

لا أعلم ما الذي حصل لم أسأل نفسي:  لماذا وكيف تركت الصور تتحدث،  يا أيها الليل اسمعني فأنا أسير سجن فلسطيني خضراء الهوية فدعني أشكو حالي فلا تسكتني كما أسكتوني وأسكتوا البندقية،  الشيخ جراح بالقدس وما حوله من أماكن،  أعدت منذ مئات السنين للعبودية حَرَّمْنَاهَا وظلت لليهودية،  يصولون ويجولون فيها،  ونحن ننسى القضية حيفا ويافا وعكا وأين البقية؟

 جبال الجليل والكرمل وصحراء النقب التي أصبحت سجوناً لأهلها،  ومن المحسوس يا دام عزك يكفيهم بأن يقولوا الحرية للأرض وأسرى الحرية،  لا أعلم هل سأدفع ضريبة كلامي أم ماذا أو سأغدر ويقولون كان في حالة عصبية،  وإن كان غير ذلك سأحظى بخانة فارغة في إحدى سجلات النفوس البشرية،  تأججت في قلبي مشاعر الانتقام من خلال تلك الرحلة النفسية العذابية، في مكاتب التحقيق أُبتز بكرامتي وشرفي وكأن لا حياة للبشر مثل أسير فلسطيني،  لكن بعنف أشد من أساليبهم قسوة حاربتهم مبادئنا وأمعاؤنا الخاوية أرادوا كسر عزتنا أرادونا سؤالاً بلا جواب،  ألا يا جاهلين كفاكم هراء نحن نشهر السيف ليجتث رؤوسا تجادله فيشهد لنا عنان السماء، كيف لنا بصرخة نَطولهُ ونُطاولهُ،  في ساعات الغروب بالسجن نرى ذلك الطائر وهو حر طليق فنداعبه،  يزرع بنا الأمل فنغازله فتطرد الهموم لتترك علامة لا للمستحيل فتذهب عذابه فتغرب الشمس ليبدأ القمر صعودا فنجالسه،  فأتذكر طبلة الزفاف وقارعها لتؤلمنا الأيام الخوالي غازلين قضبان أسرنا روايات من نسج الماضي والحاضر يصمم لنا أزياء من الحرمان لثلاثة وستين عاماً ما كلت مغازلهُ،  نبحث عن الاستقلال في ميادين المعارك فالجيوش تحاربنا فيا أهلاً بالموت ما دامت فلسطين بفكر الحاخام شيئاً يسلبه لا أعلم هل من زي جديد يبادلنا ثيابا مالت على أجسادنا،  لسياسة السجون وقفنا فكان الأمر الحاصل ذَاهِلَة،  يأتون بأمر لإخلاء السبيل لأحدهم يظنون بأنه عوقب وسيكف عن البحث عن وطنه الجميل،  لا يعلمون بأن السلاح على أحر من الجمر ينتظرهُ وإن كان غير ذلك سأؤمن بالمستحيل ولن أراوغه، حجبوا عنا الشمس والأرض والأهل ضانين بأنا شيئاً سهلا ولأرض باتت شيء يسيراً لتناوله،  أرض أجدادي أرضي أنا.. أرض أولادي

..أرض أحفادي أرضي أنا أنا.  . . وإن كان غير ذلك سنكون،  للمدفع قنابلهُ،  كفكف دموعك أيها القمر،  وكفاك أسفاً على وحوش البشر،  كلم ذلك الحجر وسيعطيك الجواب حين تسأله،  أرادونا أجساداً وبقيت قلوبنا وعقولنا على حدود الدولة تحرس الأرض بظلام الليل وَتُساهِرهُ،  أرى بأنا نَبْذنَا في عيون الشرق والغرب ولا يريدوننا حُلَفَاء لهم،  يصطنعون الشجاعة من قلب الجبن وما غير ذلك نشاطره،  تصارعنا جدران السجون ليس لها شيء غيرنا تصارعهُ،  تُمزقنا الذكريات مع طول الغياب وتاه الحق واختلط حباله بنابله،  أُسّرنا من أجلك وطني،  وما اعتدنا الندم أو الحسبان لعواقبه،  وضعنا الأرض أمامنا وتركنا الأهل ولأولاد والأزواج خلفنا لهم الله ولنا الله والوطن يساندنا ونسانده،  كيف لأعيني أن تنام وأرضي تنهش والعالم يفتح التلفاز بصمت ليشاهده،  قَدَّسْنَا زُيفت،  أقصانا ومداخله زيفوا التاريخ بل شواهده،  أستنزف الكلمات من قلب السجون لا لأصفها،  وأكتب الروايات بل أكتب الواقع بدقةٍ لا أكترث بثقافة الشعراء أو الكتاب لأوازي كلمات كتابي سينسج العبرة لمن سيستشعرُ ويوازيه يحمل الكثير بطياته، وأنت تقرأ ستلاحظه،  لا داعي للخوف الآن أسرى وأسير جازمون على الحياة يتحلون بالفعل المضارع وليس بخبر كان،  ينسجون بأمعائهم سلاح الموت،  وإلى متى ونحن لا نحظى بحياة كريمة،  يتملكني الأسى والحرمان إلى متى ونحن نفتقد الأمن والأمان نَحَلْت أجسادنا والجوع أصبح لعبة الموت الجبرية،  لماذا؟ ؟

 لكي نصنع كرامتنا بجهد أمعائنا الخاوية كبرياؤنا أضحت عزيزة،  يأبى أحد من الصامتين أن يساعده،  بهدوء قبل العاصفة،  نتحدى الجوع ومواجعه،  كالأسود في الغابات نتضور جوعاً ورغم الألم نظل شامخين أمام العذاب،  ينزلق العمر من بين أصابعنا كالقابض على حفنة رملٍ يفتح يده،  ولا يجد شيئاً يمسكهُ.

 شامخين بالغربة رفيقنا الحزن لا نخطئه حين نقابله،  لا همنا سجانٌ أبقانا بسجنٍّ أو خارجه،  طوقوا فلسطين بحقدهم فرقوا الأهل وهم بدارهم،  فلسطين سجناً كبيرا أصبحت، وهنا سجن صغير وأين الفرق لنعالجهُ،  قيدونا بجدارهم وهنا السلاسل تضج وبالشرق اندلعت الفتنة بينهم، أرضي أخر بقعةٍ بالأرض بقيت محتلة وحكام العالم عجزوا،  وكأن الأمر أصبح مستحيلاً بيقين لا أعلم لما الهوس وهل الأمر صعب؟ 

 أرجعوا لتاريخ وأقرئوا عن ابن السبعة عشر الذي فتح القسطنطينية والأندلس،  أرجعوا للتاريخ واقرأوا عن معالم القدس،  زيفوها وإن أتى الغريب لا يعلم هل هي الأرض الطيبة أم دولة الفرس،  غريبين بأشكالهم برائحتهم وكأنهم أتونا من وراء شمس لكي يبنوا لنا سجَوّنَا يأسرونا فها ضانين بأن هيمنتهم ستحقق لهم المنال الذي يخططون له ويدّعون بأنه موثق بتوراتهم المحرفة لكنا جعلنا من تلك السجون بيوت علمٍ نعبأ فيها الأجيال،  لنصنع منهم رجالاً جاعلين من أشعار السجون قصورا مزخرفة قبيحة من خارجها جميلة من داخلها،  نوقف التاريخ من خلال شباكها لينقش نفسه على وجه السماء ليبقى يذكر فيها الأدباء والشعراء،  على طول السنين والأسر والعمر واليوم وسبعة أيام والشهر وسنه والدهر على هذه الدنيا،  وكأنا خلقنا لنعيشَ سلبيتها،  الحزن والمرح ولا للفرح والهم والغم وكأنا خلقنا حكاماً لقلعة الأحزان،  في هذه الأرض التي تستنجدنا أغيثوني ولا جدوى،  وكأن البشر أصبحوا صُماً ولا أحد يغيث هذه الأرض التي يستفحل فيها السرطان الاستيطاني،  وإلى متى سيبقى هذا المرض ينهش أجزاءنا  ولا أحد يغيث،  على شباك الزيارات بالسجون تلتقي القلوب بلهفة لتمنعها الشباك لكي لا يمتزج الإحساس سوياً ليتولد الدمع من الشباك محزوناً على ما هو مجبراً عليه. . . . . يتبع.

انشر عبر