التحديثات

اتفاقيات التطبيع واثرها على المشهد السياسي الإسرائيلي

14 كانون ثاني / ديسمبر 2020 12:52

الأسير سامح الشوبكي
الأسير سامح الشوبكي

بقلم: الأسير سامح سمير الشوبكي

مع انطلاق قطار التطبيع بشكل علني بين الكيان الصهيوني والعديد من الدول العربية دعونا نقول بان مصطلح التطبيع يعد مصطلحاً رخواً وناعماً لأن حقيقة ما يجري لا يخرج عن كونه بيعاً بواحاً لفلسطين الأرض والشعب والقضية من قبل تلك الدول العربية بيع لم يشهد له التاريخ الإنساني مثيل وكيف لا والمستوى الرسمي العربي الذي أقدم على البيع قد فرط في حقيقة الأمر وواقعه بقضية بحجم فلسطين بكل أبعادها الدينية والتاريخية والأديبة والقومية والوطنية والأخلاقية وأمام حالة الانهيار هذه دعونا نترك للأجيال العربية القادمة اخضاع هؤلاء الباعة المتجولين ما بين واشنطن ومستعمرة تل ابيب للمحاكم الثورية التي ستقوم وتقول مقالتها بحق هذا البيع وبحق من قام به وثقة بالله كبيرة بأن هذا قادم لا محال له أن طال الزمان أو قصر.

 ويبقى السؤال: ما هو حجم التأثير الذي أحدثته هذه المصادقات ما بين الاحتلال العبري وهذه الدول العربية على المشهد السياسي والحزبي داخل الكيان؟ من الواضح ان اهم تأثيرات وتجليات هذه الاتفاقيات قد تبلورت فعلياً على ما يردده رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو صباح مساء وهو يقول بأننا نعيش اليوم في زمن السلام مقابل السلام، وقد ذهب بلا رجعة زمن السلام مقابل الأرض هذا ما يصرح به نتنياهو متفاخراً أمام جمهوره وقد صدق وهو كذوب لأن اتفاقيات التنازل أو ما اصطلح عليها التطبيع العربي مع الكيان قد وجه طعنة نجلاء قاتلة لمبدئ الأرض مقابل السلام التي راهنت عليه يوماً أطراف دولية متصهينة .

ولم يقف الأمر عند هذا الحد كما يقول نتنياهو فقد وجد له أنصار في استطلاعات الرأي الأخيرة التي أجرتها اكثر من وسيلة إعلام عبرية والتي جاءت بظل الحديث عن ذهاب الكيان الصهيوني إلى إجراء انتخابات مبكرة بعد استمرار تعثر ائتلاف الحكومة الحالية بين الليكود وحزب أزرق ابيض ووزير الحرب السابق ووزير الحرب الحالي السياسي الأحمق بينت وفق المراقبين بالكيان حيث تشير تلك الاستطلاعات إلى تقدم واضح ولافت يطلق عليه اليمين واليمين المتطرف على حساب ما يقال عنه ايضا احزاب اليسار والوسط مع العلم ان قوة الاحتلال وسلطته لا تخضع بعلم السياسة لتقسيمات اليمين واليسار، على كل الاحوال فاللافت في تلك الاستطلاعات ان حزب العمل وهو الحزب المؤسس لكيان، والذي تصدر المشهد السياسي من عام 1948م حتى عام 1977م، لم يحصل على نسبة الحسم التي تمكنه من دخول الكنيسة، اما حزب ميرتس الموصوف باليساري هو الاخر في افضل حالاته سيحصل على سته مقاعد فقط، رغم رفعة لشعار حل الدولتين ومن هنا يتضح أن تحالفاً ما بين الليكود الذي سيحصل وفقاً للاستطلاعات على (31) مقعداً، وحزب يميناً بزعامة (ربيب نتنياهو) المتطرف نفتالي بينت على (22) مقعدً الى جانب الأحزاب الدينية الاشكنازية والشرقية التي ستحصل مجتمعة على (18) مقعداً، تحالفا من هذا القبيل سيؤدي حتما الى قيام حكومة عمودها الفقري التطرف ثم التطرف، فقد ينظم اليها وكنوع من البهارات – افيغدور ليبرمان- زعيم حزب (إسرائيل بيتنا) المعروف بعدائه الشديد لكل ما هو فلسطيني بالرغم من الخلاف المصطنع بينه وبين التيارات الدينية التقليدية.

وبذلك يسمح القول بأن هذا الانقلاب الكبير لصالح نتنياهو وحلفائه على حساب باقي الأحزاب والكتل الحزبية، (أزرق أبيض) جاء نتيجة مباشرة لاتفاقيات التطبيع العربي مع حكومة الاحتلال بل يمكن القول بأن هذا التطبيع قد ساهم في قتل وتشيع اليسار الصهيوني الى مثواه الأخير، ومعه كل اطروحات (حل الدولتين) التي جاءت اساساً لخدمته الصهيونية، وليس حباً في السلام والعدالة، فالذئاب لا يمكن أن تكون عادلة مع ضحاياها، أجل لقد مات ما يوصف باليسار الصهيوني غير مأسوف عليه في ظل معادلة نتنياهو الناجحة (السلام مقابل السلام)، وفي هذا المشهد باتت الشهية مفتوحة وأكثر من أي وقت مضى لتهويد فلسطين من بحرها الى نهرها والعكس صحيح.

وسوف تنزل النعال القديمة والجديدة على رأس كل سياسي صهيوني يحاول إعادة فكرة حل الدولتين الى جدول اعمال السياسة لدى الكيان لان الرأي العام في الشارع الصهيوني المتطرف أصلاً لن يكون مستعداً لقبول عبث المفاوضات على حد تعبيرات، خاصة بعد الهرولة العربية تجاه تل ابيب.

وأمام هذه الحالة واهم حد الخرف أن ما افرزته الانتخابات الامريكية مؤخراً عن فوز المرشح الديمقراطي (جوبايدن) وقد تمخض عنه واقعاً سياسياً يتم فيه ومن خلال وارغام نتنياهو وحلفائه في الحكومة الحالية او القادمة الجلوس الى طاولة المفاوضات وتقزيم حتى الفتات للفلسطينيين فهذا لن يكون؛ لذلك على الشعب الفلسطيني أن يدرك أن الأصعب لم يأتِ بعد، وأنه بالفعل وليس المجاز مهدد بمبدأ وجوده على الأرض، ولذلك لا خيار أمام الشعب الفلسطيني سوى أن يعمل وفقط يعمل على قاعدة ان فلسطيني ما قبلت القسمة يوماً على اثنين، ولن تقبله الآن، ولا في المستقبل وعلى الذين يراهنون على وهم وسراب السلام من خلال المفاوضات مراجعة حساباتهم جيداً وسريعاً، وكأن ساكن البيت الأبيض الجديد لن يفعل بحال من الأحوال أكثر مما فعله باراك أوباما ... فهل صنع أوباما السلام؟!

دائماً ما أمن الفلسطينيون ومنذ نشأة قضيتهم بأن الحق فكرة تحتاج من يدافع عنها ضد ظلم وعدوان الاحتلال دون مساواة وتسويف ولا تقاعس ولا تراجع الى الخلف قيد أنمله، هكذا كان الشعب الفلسطيني يتعامل مع قضيته عند كل تهديد وجودي لها، وفلسطين اليوم في زمن التطبيع والهرولة، اختبار وامتحان أمام الفلسطينيين، ووحدهم الاجابة عليه، ولا سبيل لهم الا النجاح في مهما تطلب ذلك وكلف من طاقات وبذل وعطاء في كل الميادين والساحات، لأن الحق الذي لا يقف خلفه الرجال مصيره الى الضياع والزوال.

بقلم الأسير/

سامح سمير الشوبكي

انشر عبر