التحديثات

نعم إنه أبي !!..

25 آيار / مارس 2021 09:00

الراحل د.فتحي الشقاقي
الراحل د.فتحي الشقاقي

بقلم محمد الوزيري / المغرب

  قبل خمس سنوات أذكر أني كنت في العمل و سألني رفيق لي عن الساعة ، فأخرجت هاتفي لأرى الساعة و كان هو يسترق النظر .. الشاهد أني كنت أضع هذه الصورة خلفية لهاتفي .. فشاهدها رفيقي و سألني سؤالا عابرا قال : أهذا أبوك ؟ .. فضحكت ، و التفت إليه ظنا مني أنه يمزح . فلما رأيت منه الجد في السؤال علمت أنه لا يعرف صاحب الصورة ، فصمتت برهة و أجبته : نعم إنه أبي ..! و الحق إني لفي حسرة دائمة على حال هذا الجيل الذي يحمل أسباب خرابه بيده ..

هذا الجيل الذي لا يعرف أبطاله و لا يحفظ أسماءهم كما يحفظ أسماء المغنيين و الرياضيين و الفكاهيين و التافهين و السفلة .. كيف سنتقدم في وغى الفكر و التربية و نزحف في الوقائع و نحرز نصرا مؤزرا بهكذا جيل مهزوز النفس ، ممحوق الذاكرة ، خرب العقل ؟! ..

أوليس وجه حاضر كل أمة هو وجه أبطال ماضيها ؟! ، فلماذا يجهل جيلنا أبطاله و يهمشهم ، بل و يخجل حتى من معرفتهم و ذكرهم ؟! إن حتى الدول و الكيانات التي قامت على الدم و الإجرام و لا تملك أبطالا تفخر بهم تحاول ليل نهار تزوير التاريخ لصالح مجرميها ، و تجعلهم يحضرون دوما و يُذْكَرُوا في محافلها و مناهجها المدرسية و إعلامها و معابدها و شوارعها و أوراقها النقدية ، لأن هذه الكيانات تعرف جيدا منهجية تكوين الإنسان . و منهجية تكوين الإنسان تقوم على ركنين أساسين هما قوة الذاكرة و قوة النموذج .. فإذا كانوا هم يجبرون الكون على تخليد (أبطالهم) و هم مجرمون على باطل ، فلم نجعل أجيالنا تخجل من ذكر أبطالها و هم على حق و أصحاب حق ؟!!.. إنهم يعرفون -كما قلت- ركني منهجية تكوين الإنسان جيدا ، لذلك استغلوا عملاءهم الذين يحكموننا لتحريف قوة الذاكرة نحو حفظ السفالة من الفكر و غذاء العقل .

و قوة النموذج في الاقتداء بمن لا يبني دولة ولا حضارة من راقصات و لاعبي كرة و مغنيين و ساقطين من كل لون اتخذوا من الحياة نهجا للعبث .. إن تاريخنا بجناحيه الخفاقين " العربي و الإسلامي" مليء و زاخر و مدبج بالأبطال الذين ما عرفت أي أمة مثلهم في أوصاف التكوين الإلهي للبشر ..

فلم كل هذا الذل و مسخ الذاكرة بأشخاص لا يمتون لوعينا بصلة ، فقط حتى نظهر بمظهر (المثقفين و المتحضرين و المتنورين ) أحيانا و التافهين أحيانا أخرى ، لأن التفاهة أصبحت اليوم أسلوب حياة يصل إليها المرء بجهد وفير سبحان الله !!! .

هذا أبو إبراهيم الشيخ و الطبيب و المفكر فتحي إبراهيم الشقاقي رحمه الله ، إبن غزة فلسطين ، المولود في خمسينات القرن الماضي . فقير ابن فلاح ، و غني بإيمانه بالله و كرامة الإنسان . كان رعبا حقيقيا و كابوسا يقض مضجع الكيان الصهيوني المجرم . فقاوم و دافع عن فلسطين و الأمة بذخيرة الكلمة و ذخيرة الرصاص ، و مهنة الطب و التدريس . فطرق جميع أبواب النفوذ إلى مكمن الخلل في تردي الأمة ليباشر بإصلاحه . فأيقن أن الأمة يستحيل أن تتحرر من قيودها إلا بتحرير فلسطين ، و أن فلسطين لن ترى فجر الحرية إلا بالرجوع إلى القاعدة ، و القاعدة هي الإيمان بالله و الإيمان بالحق ، و السعي إلى اكتساب القوة للدفاع عن هذا الحق .

فأسس حركة ( ج إ) الفلسطينية التي كانت الصخرة التي تحطمت عليها كل رهانات الكيان الغاصب و دعاوى المساومة و التكييف و التلوي على الحقائق التي يقودها منحرفوا الضمير من المحسوبين على العرب و الأمة . أبو إبراهيم لا يمكن أن أعرفه في سطور و لا حتى مجلدات . لأن الرجل حين يؤسس نهجا فإن ذلك النهج يُعرف بذلك الرجل . و يستحيل أن أصف نهج المقاومة و الحضور في الصف الأول في أسطر معدودة . إن أبا إبراهيم هو نطفة الخير التي تكونت منها بذور حراس الحصن الأول للأمة الذي هو فلسطين . لأنه أنبتهم على مبدإ خالد ما استطاعت كل جحافل الغزاة أن تمحوه من ذاكرة الشهداء الأحياء ، ذلك المبدأ الذي كتبه بمداد الفكر حيا ، و سطر عليه بالدم شهيدا في مالطا حين قال: " إِنّ فَلسْطين هي نقطة صراع تمام الحق مع تمام الباطل .. فَلسطينُ آية من القُرآن ، فَمَنْ تخلَّى عَن فلسطِين ، فَقد تخلّى عن القرآن.." .

رحم الله أبا إبراهيم و رضي عنه ، و جعلنا ذخرا لتلك المسيرة التي خط تصميمها بمعية أبطال كثر .. مسيرة الدم و الشهادة في سبيل الحق لتحيا الأمة ، و يحيا الإنسان المظلوم أينما كان .

انشر عبر