التحديثات

أنظمة الخنوع تسرع عجلة التدمير الذاتي

19 تشرين أول / مارس 2022 12:10

الاسير عليان
الاسير عليان

✍ بقلم الأسير المجاهد/ أنور عليان . الجزء الأول

من غرائب هذا الكون وعجائب هذا الزمان أن يصبح الاستعمار ولصوص الأرض مطلبًا لدى أنظمة الخنوع العربي، يتودّدون إليهم ويشرعون لهم أبواب بلادهم ويستقبلونهم بحفاوة بالرقص والقهوة على عزف النشيد الصهيوني (هاتيكفا)، ويقيمون معهم علاقات غرام سياسية من أجل نيل العفو والرضا من سفاحي القرنين العشرين والواحد والعشرين في واشنطن الذين زرعوا الموت والدمار والإرهاب الأسود في بلاد العرب والمسلمين، بينما من يعادي الاحتلال ويغرد خارج سرب التبعية العمياء وينهض بذاته ويستقل بقراره توصد في وجهه الأبواب والسبل ويوسم بالمارق والإرهاب وعدو السلام، كما صرح أحد أولياء الكيان الصهيوني من النخبة العربية الحاكمة في تاريخ 19/04/2019م بأنه يجب التعاون مع الكيان الصهيوني أمنيًا واقتصاديًا وسياسيًا وإن إسرائيل دولة محبة للسلام والعدو الحقيقي في المنطقة هي إيران، وتصريح لآخر في مؤتمر دافوس في تاريخ 06/04/2019م بأن على العرب تبديد مخاوف إسرائيل، فما كان محظورًا ومحرَّمًا ومن الخطوط الحمراء بات اليوم طبيعيًا وواضحًا وعقلانيًا وتنورًا وما كان مضمرًا في الغرف السوداء المعلقة.
ما كان محرمًا قبل عقود من الزمن أصبح اليوم مبررًا يجاهر به علنًا من قبل البعض، وهذا دليل أن أنظمة الإذعان العربية بلغت مرحلة الانهيار الأخلاقي والسقوط السياسي والاستسلام الطوعي المهين بلا شروط، وهو ترجمة حيَّة لما عبر عنه نتنياهو رئيس الوزراء الصهيوني السابق وأحد قادةَ الحركة الصهيونية والحائز على لقب أخطر رجل في منطقة الشرق الأوسط، حيث قال في كتابه (مكان تحت الشمس) بأن مفهوم السلام قائم على قوة الردع، يشترط فيه أن تعترف الدول العربية، وتسلم بوجود إسرائيل بصورة مباشرة، ومن دون شروط، كما يتضمن ترتيبات أمنية مع الدول العربية تحمي إسرائيل من أيّ هجوم وتطبيع العلاقات بينها بكافة المجالات، وإلغاء المقاطعة الاقتصادية على إسرائيل، ووقف التحريض ضدها في المدارس، متناسيًا أن مدارسهم الدينية والحكومية هي من تنمي مشاعر الكراهية للعرب، وإنكار الشعب الفلسطيني وتضع هذه الأفكار المسمومة في منبت رؤوس أطفالهم لتكبر معهم مع مرور الزمن ويترجموها في ممارساتهم اليومية بحق الشعب الفلسطيني، وقد انصاعت بعض النخب العربية الحاكمة للإملاءات الصهيوأمريكية وتوطدت بينهما علاقات تفوح منها رائحة كريهة.
هذا التهافت غير المسبوق والانقياد بسلاسة للأعداء يعيد إلى الأذهان ما جرى في عهد الدولة الفاطمية عندما استعان بعض القادة المسلمين بالصليبيين ضد إخوتهم في العقيدة والعروبة، فأصبح للصليبين موطئ قدم في بلادهم واستباحوا ديارهم ومقدساتهم وسفكوا دماءهم ومزقوهم كل ممزق، وشاع الفساد وعم الخراب في بلدانهم وضعفت شوكتهم في مواجهة الأخطار الخارجية.
وهذا ذات السيناريو في هذه الأيام، فقد نجح الكيان الصهيوني باختراق العالمين العربي والإسلامي والقارتين الأسيوية والأفريقية وحتى مؤسسات الأمم المتحَدة بدعم ومساندة من العديد من الدول العربية كما حدث حين تولى مرشح الكيان الصهيوني داني دانون رئاسة لجنة مكافحة الإرهاب، في انقلاب واضح على القيم والمبادئ الإنسانية بالتشريع لدولة غارقة في ممارسة الإرهاب المنظم من رأسها إلى أخمص قدميها برئاسة لجنة دولية مهمة.
وكل يوم يمرّ ترتفع وتيرة التطبيع المتسارعة والاندفاع الغريب نحو الكيان الصهيوني وانفتاح الأخير على بعض الدول العربية منطلقًا في استراتيجيته بإتباع سياسة التوغل الناعم من خلال رعاية المشاريع التنموية والتبادل التجاري وتبادل السفراء في موازاة للغزو الفكري والتسلل إلى حياة الشعوب العامة وهو مقدمة لعلاقات ذات أبعاد عسكرية تؤدي إلى التفكيك التدريجي لتلك الدول.
وقد ظهرت أماراتها من حرارة العلاقات المتنامية بين سياسيين ورجال أعمال وإعلاميين والمسابقات الرياضية وفتح المطاعم والكنس اليهودية وتطوير شبكة علاقات ناجعة مع شخصيات رفيعة والتعاون في مجالات النفط وإنتاج المياه وجذب الاستثمارات المتبادلة كمشروع (نيوم) السعودي العملاق الذي يجرى الترويج له من خلال أطراف دولية كغطاء اقتصادي لإعادة تشكيل تحالفات إقليمية في المنطقة يتم دمج الكيان الصهيوني فيها على جميع الأصعدة وفي كافة المجالات وقد كان لافتًا حضور المستثمرين الصهاينة الكبار في مؤتمر تدشين المشروع.
وكذلك استثمار الإمارات بحقل الغاز الصهيوني (تمار) عبر شركة مبادلة للبترول باتفاقية وقعت في مايو (أيار) 2021م لشراء حصة شركة (ديليك) الصهيونية ثم ضخها 10 مليارات دولار في صندوق الاستثمار الصهيوني ليصبّ في صالح اقتصاد المحتلون للأراضي العربية، وإقامة صندوق إسرائيلي إماراتي لتعزيز الاستثمار بالهايتك في شهر كانون الثاني من عام 2022م وتخصيص جناح أبيض أزرق الذي يرمز للعلم الصهيوني في معرض (إكسبو 2020) بدبي ومجالات عديدة يصعب حصرها في مقال.
وتوسعت شبكة العلاقات لتشمل دول إسلامية مثل كازخستان وأذربيحان المتاخمتين لحدود إيران، وكذلك كوسوفو التي أعلنت في عام 2020م عزمها فتح سفارة لها في القدس انصياعًا للقرارات الترامبية.
وما يحز في النفس أكثر ويشكل ضربة في الصميم لفلسطين والأمة جمعاء هو مشاركة وفود علماء الدين الإندونيسيين برئاسة يحيى ستاكوف بمؤتمر العلاقات اليهودية الأمريكية في القدس منتصف ليلة 14 (حزيران) 2018م خاصة أن إندونيسيا تعد أكبر بلد إسلامي في العالم واحتضنت المؤتمر الدولي العام حول القدس عام 2015م في العام الذي يليه القمة الاستثنائية الخامسة لمنظمة التعاون الإسلامي حول فلسطين والقدس.
أما القارة الأفريقية فتسعى إسرائيل جاهدة للانضمام كعضو مراقب في الاتحاد الأفريقي عبر شق ثغرة فيه، بعد تعليق عضويتها التي حازت عليها بقرار من رئيس مفوضية الاتحاد موسى فقي في تموز 2021م، لكن تشكيل جبهة رفض من بعض الدول الأفريقية وخاصة الجزائر ومصر وجنوب أفريقيا ومثقفون وأدباء أحرار يصعب عليها مهمة العودة للاتحاد، وهو انتصار معنوي للقضية الفلسطينية ويتوجب على عاتق الدول المناهضة للمشروع الصهيوني والغنية بإعطاء الدول الأفريقية الفقيرة جل اهتمامها ليتعذر على العدو فتح ثغرة للتسلل منها من أجل حماية أمن تلك الدول ومصالحها الحيوية أيضًا.
17/03/2022م

انشر عبر