التحديثات

قاومت المحتل ببسمة وداعٍ لوالديها

26 آب / يوليو 2022 09:33

كاتبة
كاتبة

رفيدة عطايا

تتعدد الروايات، تتنوع الأسيرات، تمر السنوات، ويبقى الأسر محطة قاسية مليئة بوحشية احتلال لعين. من أسيرة قاصرة عاشت طفولتها خلف قضبان حديدية، إلى أسيرة أمّ سُلخت عن أطفالها وحرمت من أمومتها، وفي المقابل عاش معها حالة الأسر أطفالها الذين حرموا من حنان أمهم وعطفها ووجودها بجانبهم، إلى أسيرة جامعية انتزع منها حقها بالتعلم في ظروف طبيعية، وحرمت من سنة تخرجها كبقية زميلاتها، ورُهن مستقبلها بقرار جائر ومزاج سجان ظالم مستبد.

الأسيرة المحررة شذى حسن
كانت شذى كسائر طلبة الجامعات في العالم، تدرس اختصاص "علم النفس" في جامعة "بيرزيت"، في سنتها الأخيرة، سنة التخرج التي يحلم بها الطلبة قبل دخول الجامعة. وكانت تحلم باليوم الذي ترتدي فيه ثوب تخرجها لتشارك عائلتها وأصدقاءها فرحة النجاح، ثم لتنتقل بعدها إلى حياة العمل التي كانت تطمح إليها. إلا أن الطالب الفلسطيني ليس كغيره من الطلاب في مختلف أنحاء العالم، لأنه كتب عليه أن يجابه العدو بكل الوسائل؛ القلم في يد، والبندقية في اليد الأخرى. كما قُدّر له أن يُطارَد من المحتل الذي يخشى من اكتسابه العلم والمعرفة، ومن التحاقه في ركب التطور والتكنولوجيا، لذلك يقوم بأسر تلامذة المدارس والجامعات، كأسلوب من أساليبه القمعية، وعدوانه الظالم، وانتهاكه المستمر لحقوق الفلسطينيين، كما حدث مع الطالبة شذى التي اعتقلت من دون تهمة، ووضعت قيد الاعتقال الإداري.
ظروف الاعتقال
"أنا رايحة لمجهول"، هكذا استهلت شذى كلامها عن لحظة اعتقالها عند الثانية بعد منتصف تلك الليلة، لحظة توقف آليات عسكرية قرب منزلها، وإخبار ضابط المخابرات والد شذى بأنها رهن الاعتقال. شعور بالقهر والعجز وقلة الحيلة خيّم عليها عند تكبيل يديها ورجليها، وسحبها من منزلها ليلاً إلى "الجيب" العسكري. هي لحظات وثوانٍ معدودة، إنما هي من أصعب اللحظات التي قد يمر بها أي إنسان في الحياة؛ أن تسترق النظرة الأخيرة مودعًا بها أفراد أسرتك الذين لا تعلم متى سيجمعك اللقاء بهم مجددًا. ولكن رغم قساوة تلك اللحظات غير أن الاحتلال لم يستطع نزع قوة شذى وعزيمتها، فقد قاومت المحتل ببسمة وداعٍ لوالديها، كي تشعرهم بأنها على ما يرام وأنها بخير، وتخفف من حدة الألم الذي سيصيب قلوبهم، لأن الأسر لا يوجع صاحبه فحسب، وإنما هو ألم ومعاناة للعائلة كلها.
وُضعت شذى في آلية الاحتلال الذي لا يترك فرصة لتعذيب الفلسطيني إلا ويستغلها جيدًا، فالأسير يجلس على كرسي ملتصق بأرضية "الجيب"، وكأنه جالس على الأرض، مكبل اليدين والرجلين، معصب العينين، مع كلاب بوليسية داخل "الجيب"، وكلاب على هيئة بشر! ولكن علاوة على ذلك، كان العذاب مضاعفًا لشذى، فقد اندلعت مواجهات بين جنود الاحتلال وشبان فلسطينيين قاموا برشقهم بالحجارة، ليقوم جنود العدو بإلقاء القنابل المسيلة للدموع، حيث تسرب الغاز إلى داخل "الجيب" حتى شعرت شذى بالاختناق، وحرقة في العينين، وتهيّج في الأنف، متروكة لخمس عشرة دقيقة تعاني وحيدة، إلى أن تم إعطاؤها منديلاً ورقيًّا مبللاً لتشمه.
التبريد والتسخين
كان اعتقال شذى في فصل الشتاء، بتاريخ 12/12/2019، حيث قاموا باستخدام الحرارة كنوع من أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، فتارةً يرفعون درجة تدفئة الغرفة إلى أعلى درجة ممكنة، لتشعر شذى بالحر الشديد، وتتمنى لو تستطيع التخفيف من ملابسها أو رشف جرعة ماء بارد، وتارة أخرى يخفضون من درجة الحرارة إلى أدنى حدٍّ، لترتجف عندها من البرد الشديد، وتصطك أسنانها، وتتمنى لو بإمكانها ارتداء معطف شتوي أو تناول كوب شاي ساخن... فشذى لا تتذكر من "عوفر" سوى البرد الشديد الذي نخر عظامها، وأطرافها التي لم تعد تشعر بها من قساوة الصقيع. وسجن "عوفر" يصفه الأسرى الذين اعتقلوا فيه بأنه "ثلاجة الموتى"، وقد حفروا على جدرانه عبارة "احذر ثلاجة الموتى"!.
بعد ساعات انتظار طويلة، على كرسي بلاستيكي غير مريح، في غرفة ضيقة جدًّا، أنوار تشتعل وتنطفئ... تم استجوابها حول ما يتعلق بأنشطتها الجامعية، -فهي كانت رئيسة مؤتمر مجلس الطلاب-، وزعم أنها شاركت بنشاطات تخلّ بأمن الاحتلال، كما اتهمت بأنها نظمت زيارة للأيتام، ما جعل شذى تبتسم ابتسامة سخرية، من مستوى النذالة التي وصل إليها الاحتلال الذي يحارب الأعمال الإنسانية البحتة أيضًا.
سجون الاحتلال
كان الأسر صعبًا على شذى التي لطالما سمعت عنه في قنوات "التلفزيون"، وفي نشرات الأخبار... فهي لم تكن تتوقع أن تكون واحدة من الأسيرات اللاتي كانت تقرأ قصصهن، وترفع صورهن عاليًا في النشاطات التي كانت تنظمها، مطالبة بالإفراج عنهن.
محطات عديدة مرت بها شذى، منها "معبار هشارون" الذي انتظرت فيه صدور قرار الاعتقال، والذي كان من أسوأ أيام حياتها التي قضتها، فهو قسم مخصص للأسيرات في سجن "هشارون" من أسوأ الأماكن التي تطالب الأسيرات بإلغائه، لأنه لا يصلح لأن يتواجد فيه أي إنسان، فهو يفتقر إلى أدنى المعايير الإنسانية، ولا تتوفر فيه الظروف الصحية؛ الرطوبة تسيطر على زنازينه، البطانيات مهترئة وغير نظيفة، الطعام لا يصلح للأكل تفوح منه رائحة نتنة جدًّا، "بيت الراحة" مكشوف لا يوجد له باب أو ستار... وإضافة إلى ذلك، تتواجد الأسيرات الفلسطينيات في هذا القسم إلى جانب سجناء جنائيين صهاينة في الأقسام المجاورة، بتهم تعاطي المخدرات وغيرها من القضايا الجنائية، ويتعرضن للشتم طوال الوقت، والإزعاج المستمر على مدار الساعة، من قبل هؤلاء السجناء الصهاينة.
بعد صدور قرار الاعتقال الإداري لمدة ثلاثة أشهر، تم نقلها من "هشارون" إلى سجن "الدامون" في حيفا. لم يكن الأمر سهلاً عليها، ففي بداية الاعتقال كانت الأشهر الثلاثة عبئًا ثقيلاً عليها، رغم قصر المدة مقارنة ببقية الأسيرات. كما أن مرحلة انتقالها في "البوسطة" كانت من أصعب اللحظات التي عاشتها، وهي رحلة عذاب لا تمحى من ذاكرة أي أسير أو أسيرة. فالبوسطة عبارة عن قبر وقفص، سجن متنقل، حديد من كل الجهات، يقودها سائقها بسرعة مرعبة، ويمكث الأسرى فيها لمدة طويلة، ست ساعات ذهابًا وست ساعات إيابًا، مساحتها لا تتجاوز المتر المربع، حيث أن شذى كانت ملتصقة بالأسير الذي بجانبها، وعند تعرض البوسطة لأي مطب يرتطمان ببعضهما البعض.
رغم صعوبة الأسر عليها، إلا أن زميلاتها الأسيرات حاولن التخفيف عنها، وحثها على الصبر والتحمل، ورفع معنوياتها. وبعد شهر من اعتقالها علمت أن أخاها اعتقل في "المسكوبية"، وهو مركز تحقيق يُعرف بأنه من أشد مراكز التعذيب. وكانت وقتها موجة الكورونا منتشرة حديثًا، وكان حينها يذاع بأن فيروس الكورونا فتاك قاتل. وقد وصلها خبر أن العدوى انتقلت إلى أخيها، فخيمت عليها أفكار الموت، وأنها خسرته. لم تنم لأسابيع من البكاء والمعاناة، فهي محرومة من الحرية، وليس بيدها حيلة، أخوها معتقل، وعلى فراش الموت، كما كانت تظن، ووالداها مشتتان بينها وبين أخيها!
الإفراج عنها في 21/5/2020
"الاعتقال ابتلاء، وربنا لما ابتلاني بالأسر عطاني الصبر والقوة"، بهذه الكلمات المفعمة بالعزيمة والإيمان، صبّرت شذى نفسها، خلال فترة الاعتقال، غير أن فرحتها لم تكتمل أول مرة، فكان من المفترض أن تقضي ثلاثة أشهر وتخرج، وخلال هذه الفترة كانت تشطب الأيام المتبقية على روزنامة يدوية صنعتها لتخفف عن نفسها صعوبة الانتظار، ولكن قبل أربعة أيام من موعد الإفراج عنها، وبينما كانت فرحتها بالحرية لا توصف، تم إصدار قرار تجديد الاعتقال الإداري بحقها لثلاثة أشهر أخرى، الأمر الذي أعادها إلى نقطة البداية... ليتم الإفراج عنها لاحقًا، بعد انتهاء مدة اعتقالها، بتاريخ 21/5/2020.

لطالما عاش الأسير في حالة انتظار وترقب دائم، فالأسر هو انتظار لكل شيء، حيث تطول الساعات ويتجمد الوقت. والأسير تمر عليه الدقائق كالساعات، والأيام كالشهور، والأشهر كالسنوات، وهو في حالة انتظار على فسحة الأمل، لموعد الإفراج عنه، للقاء الأهل والأحبة، للحرية...
نعم، سوف تشرق شمس الحرية لا محالة، مهما طال الانتظار، ومهما امتدت السنوات.

انشر عبر