خاص - إذاعة صوت الأسرى
رحل الأستاذ والمفكر والباحث عبد الرحمن ربيع عبد الرحمن شهاب، أبو بلال، لكن رحيله لم يكن نهاية حكاية؛ فقد ترك خلفه سيرةً تختصر عقودًا من النضال والمقاومة والعلم، ومدرسة في الإيمان والوعي والثورة، وأثرًا لا يزال حاضرًا في الكتب والدراسات والذاكرة.
كان عبد الرحمن شهاب رجلًا هادئًا في حضوره، عميقًا في فكره، ثابتًا في مواقفه، يحمل فلسطين في قلبه، ويبحث عن أفضل السبل للدفاع عنها؛ مرةً في ساحات المقاومة، ومرةً خلف قضبان الاحتلال، ومرةً أخرى بين صفحات الكتب والدراسات.
وُلد أبو بلال في الثاني عشر من تموز/يوليو عام 1968، في مدينة جباليا شمالي قطاع غزة، وفي ذلك المخيم الذي تختلط فيه حكايات اللجوء بذاكرة الأرض والمقاومة، نشأ شابًا يحمل وعيًا مبكرًا بالقضية الفلسطينية، وانخرط في العمل المقاوم مع حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.
لكن طريقه لم يكن سهلًا.ففي السادس عشر من كانون الأول/ديسمبر عام 1988، اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي. كان يومها شابًا في مقتبل العمر، ولم يكن يعلم أن ذلك الاعتقال سيأخذ من عمره ثلاثةً وعشرين عامًا متواصلة.
حكم الاحتلال عليه بالسجن خمسةً وثلاثين عامًا، ووضعه خلف القضبان، ظنًا منه أن السجن قادر على عزل الإنسان عن قضيته، وأن الجدران قادرة على إيقاف الفكرة.
لكن عبد الرحمن شهاب رأى السجن بطريقة مختلفة. لم يتعامل مع سنوات الأسر باعتبارها سنوات ضائعة من عمره، بل حوّلها إلى سنواتٍ من التعلم والتجربة وبناء الذات. هناك، داخل السجون، أصبح واحدًا من أبرز قيادات الحركة الأسيرة، وعضوًا في الهيئة القيادية العليا لأسرى حركة الجهاد الإسلامي في سجون الاحتلال.
وكانت معركته داخل السجن لا تقتصر على الصمود أمام القمع؛ فقد تمسك بحقه في التعليم والمعرفة، وواجه القيود التي فرضها الاحتلال على تعليم الأسرى.
قرأ، وتعلم، وبحث، ثم اتجه إلى تعلم لغة الاحتلال نفسها. أتقن اللغة العبرية، ولم يكتفِ بمعرفة الكلمات والجمل، بل سعى إلى فهم الثقافة التي تقف خلف اللغة، وقراءة البنية السياسية والاجتماعية للمجتمع الإسرائيلي.
كان يريد أن يعرف عدوه كما هو، لا كما يقدّم نفسه. وكان يدرك أن فهم الاحتلال جزء من القدرة على مواجهته.
وهكذا، بينما كان الاحتلال يحاول أن يحصره خلف جدران السجن، كان عقل عبد الرحمن يتجاوز تلك الجدران.
ثلاثة وعشرون عامًا من الأسر كانت كفيلة بأن تترك في الإنسان آثارًا لا تمحى، لكنها لم تستطع أن تنتزع من أبي بلال إيمانه، ولا شغفه بالمعرفة، ولا رغبته في مواصلة الطريق.
وفي تشرين الأول/أكتوبر عام 2011، خرج عبد الرحمن شهاب من سجون الاحتلال ضمن صفقة وفاء الأحرار.
خرج بعد أكثر من عقدين من الأسر، لكن الحرية بالنسبة إليه لم تكن محطة راحة؛ كانت بداية فصل جديد.
فالرجل الذي خرج من السجن لم يخرج خالي الوفاض؛ حمل معه تجربة الأسر، ومعرفةً واسعة، ورؤيةً أكثر عمقًا للاحتلال، وإيمانًا بأن المعركة لا تُخاض في ميدان واحد.
وبعد عام واحد من تحرره، أسس عام 2012 مركز أطلس للدراسات والأبحاث، وتولى إدارته العامة. ومن هنا اتخذت حياته مسارًا جديدًا؛ الباحث المتخصص في الشأن الإسرائيلي، والكاتب، والمحلل السياسي، والمترجم، والرجل الذي جعل من المعرفة مشروعًا مستمرًا في مواجهة الاحتلال.
في مركز أطلس، عمل على دراسة المجتمع الإسرائيلي من داخله، وقراءة تحولاته السياسية والاجتماعية والعسكرية، وتفكيك الخطاب الإسرائيلي، ومتابعة الأحزاب والمؤسسة العسكرية ومراكز الأبحاث. كما عمل على ترجمة عدد من الدراسات والمنشورات الصادرة عن مراكز الأبحاث الإسرائيلية، حتى تصبح هذه المعرفة متاحة أمام القارئ والباحث الفلسطيني والعربي.
لم يكن هدفه أن نعرف ما يقوله الاحتلال فقط، بل أن نفهم كيف يفكر الاحتلال، وكيف يصنع قراراته، وكيف ينظر إلى الفلسطيني، وكيف تتشكل مواقفه تجاه القضية الفلسطينية.
وكانت هذه المهمة امتدادًا طبيعيًا لما بدأه داخل السجن. فالشاب الذي تعلّم العبرية خلف القضبان، أصبح بعد تحرره باحثًا يتابع ما يُكتب داخل إسرائيل، ويقرأ إنتاج مراكز أبحاثها، ويفكك ما تطرحه من دراسات وتحليلات، ويضعه أمام القارئ الفلسطيني والعربي في سياقه السياسي والفكري.
لكن أبا بلال لم يحصر علمه في الكتب ومراكز الأبحاث؛ كان حاضرًا كذلك في الإعلام الفلسطيني والعربي، يكتب عشرات المقالات والتحليلات، ويتحدث عبر الشاشات والإذاعات متخصصًا في الشأن الإسرائيلي.
كان يحاول في كل ظهور أن يمنح المتلقي صورةً أعمق من الخبر العابر؛ أن يربط الحدث بسياقه، والقرار بخلفياته، والتصريح بدلالاته وما يقف خلفه.
وكان قلمه امتدادًا لموقفه. فهو لم يكن يكتب من أجل الكتابة، ولم يكن يبحث عن الحضور من أجل الحضور؛ كان يرى في الكلمة مسؤولية، وفي المعرفة شكلًا من أشكال المقاومة. ولهذا ترك خلفه مجموعةً من الدراسات والترجمات والأعمال التي تعكس اتساع اهتمامه الفكري والسياسي.
في عام 2013، قدم بحثه العلمي «رؤية الدكتور فتحي الشقاقي في إدارة الدولة الحديثة».
وفي عام 2015، أصدر دراسةً متخصصة بعنوان «العلاقات التركية الإسرائيلية وعسكرة القرار القومي الإسرائيلي»، كما شارك في ترجمة وتحرير «الجرف الصاعد: تداعيات وعبر».
وفي عام 2016، قدم دراسةً تاريخية بعنوان «عاشوراء بين التقويم العبري والإسلامي».
ثم واصل اهتمامه بقراءة الإنتاج البحثي الإسرائيلي، فترجم وحرر عام 2018 دراسة «الحروب الموجهة إعلاميًا» الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي. وفي عام 2020، جاء عمله «السهم المرتد».
كانت هذه الكتب والدراسات أكثر من مجرد مؤلفات؛ كانت خلاصة سنوات من البحث والقراءة والتأمل. وكان كل عنوان فيها يحمل جانبًا من شخصية صاحبها؛ رجلٌ يريد أن يفهم، ثم يشرح، ثم يترك ما فهمه لمن يأتي بعده.
لقد كان عبد الرحمن شهاب يعرف أن المعركة طويلة، وأن فلسطين تحتاج إلى من يحمل ذاكرتها، ويدرس عدوها، ويحفظ تفاصيل الصراع، ويمنح الأجيال أدواتٍ جديدة لفهم واقعها. ولهذا لم تكن سنوات الأسر منفصلةً عن سنوات البحث، ولم تكن الكتب منفصلةً عن المقاومة؛ ففي كل مراحل حياته، كان يبحث عن وسيلة يستطيع من خلالها أن يبقى وفيًا لفلسطين.
وحين جاءت الحرب على قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر عام 2023، كان أبو بلال في غزة، بين أهله وأرضه.
وفي الثاني عشر من تشرين الأول/أكتوبر، استهدفت طائرات الاحتلال منزل عائلته في جباليا، وهناك ارتقى عبد الرحمن شهاب شهيدًا، إلى جانب عدد من أفراد عائلته.
الرجل الذي أمضى ثلاثةً وعشرين عامًا في سجون الاحتلال، ثم خرج منها ليواصل طريقه في العلم والبحث، وجعل من القلم وسيلةً لمواجهة الاحتلال، ارتقى شهيدًا تحت قصف الاحتلال وعلى أرض وطنه.
لم تنتهِ حكايته عند لحظة استشهاده. فالرجل الذي قضى عمره في صناعة الأثر، ترك وراءه ما يكفي ليبقى حاضرًا؛ بقيت كتبه، وأبحاثه، ومقالاته، وترجماته، ولقاءاته وتحليلاته.
وبقيت شهادته على زمنٍ كان فيه الفلسطيني يحاول أن يفهم عدوه، ويقاومه، ويحفظ قضيته بكل الأدوات الممكنة.
ربما لن يجلس أبو بلال بعد اليوم أمام الكاميرا ليحلل المشهد الإسرائيلي، لكن صوته سيبقى حاضرًا في أرشيف المقابلات. وربما لن يدخل مكتبه من جديد، لكن كتبه ستظل على الرفوف. وربما لن يكتب مقالًا جديدًا، لكن عشرات المقالات التي تركها ستواصل الحديث عنه. وهكذا يصبح الغياب حضورًا، وتصبح الشهادة بدايةً أخرى للحياة.
رحل أبو بلال، لكن سيرته بقيت تقول إن فلسطين تحتاج إلى المقاوم، والأسير، والباحث، والكاتب، والمفكر، وأن هذه الأدوار، وإن اختلفت أدواتها، يمكن أن تلتقي في إنسان واحد.
إنسان عاش لفلسطين، وقاوم من أجلها، وتعلم من أجلها، وكتب من أجلها، ثم ارتقى شهيدًا على أرضها.
فغاب جسده، وبقي أثره، وبقيت كلماته شاهدةً على أن الذين عاشوا لفلسطين لا يغيبون؛ بل يظلون أحياءً بما تركوه من أثر.
