من عرابة.. بدأت الحكاية
في بلدة عرابة جنوب جنين، وُلد طارق عز الدين عام 1974، ونشأ في بيئةٍ فلسطينيةٍ حملت ذاكرة الأرض والاحتلال، وتشكل وعيه في مرحلةٍ كانت فيها فلسطين تعيش واحدةً من أكثر مراحل الصراع احتدامًا.
كبر طارق على وقع الاحتلال، وشهد منذ سنواته الأولى ما يعيشه الفلسطيني من اقتحاماتٍ واعتقالاتٍ وملاحقة، حتى انخرط مبكرًا في العمل المقاوم، ليصبح اسمه لاحقًا مرتبطًا بحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.
كان شابًا يحمل قضيةً أكبر من عمره، ويعرف أن الطريق الذي اختاره لن يكون سهلًا.
وبالفعل، لم تمضِ سنوات طويلة حتى وصلت إليه يد الاحتلال.
الأسر.. سنواتٌ خلف القضبان
في عام 2002، اعتقل الاحتلال طارق عز الدين، وصدر بحقه حكمٌ بالسجن المؤبد. كان الاعتقال محطةً قاسية في حياته، لكنه لم يكن محطةً أنهت طموحه أو أوقفت رغبته في التعلم.
قضى نحو ثلاثة عشر عامًا في سجون الاحتلال، وخلال سنوات الأسر تعلم اللغة العبرية، ودرس العلوم السياسية، وحاول أن يحوّل سنوات السجن من زمنٍ للانتظار إلى زمنٍ لبناء المعرفة والاستعداد لما بعد الحرية.
كان ينتظر يومًا يخرج فيه من خلف القضبان. وكان يحلم بالعودة إلى عرابة، إلى بيته وأهله ومكانه الأول. لكن حين جاءت الحرية، لم تكن كاملة.
وفاء الأحرار.. حريةٌ بلا عودة
في عام 2011، أُفرج عن طارق عز الدين ضمن صفقة وفاء الأحرار. خرج من السجن بعد سنواتٍ طويلة، لكنه لم يُسمح له بالعودة إلى بلدته. كان عليه أن يغادر إلى قطاع غزة مبعدًا عن أرضه. خرج من السجن، لكنه وجد نفسه أمام شكلٍ آخر من الأسر..
كانت غزة بالنسبة إليه مساحةً للحياة والعمل، لكنها لم تستطع أن تلغي من قلبه عرابة، البلدة التي تركها خلفه، وظل يحلم بالعودة إليها.
من الأسير إلى صوت الأسرى
بعد وصوله إلى غزة، لم يتعامل طارق مع حريته باعتبارها خلاصًا شخصيًا من تجربة الأسر. كان يعرف أن خلف القضبان أسرى آخرين ما زالوا ينتظرون الحرية، وأن هناك عائلاتٍ فلسطينية تعيش كل يوم على أمل أن يصل صوتها إلى أبنائها.
ومن هنا، اتجه إلى ميدانٍ يعرفه جيدًا.. ميدان الأسرى. حيث تولى طارق عز الدين إدارة إذاعة صوت الأسرى، ليصبح قريبًا من قضيةٍ عاش تفاصيلها بنفسه.
لم تكن الإذاعة بالنسبة إليه مجرد مؤسسة إعلامية، بل كانت مساحةً لخدمة الأسرى، ونقل أخبارهم، وتسليط الضوء على معاناتهم، وربطهم بعائلاتهم.
كان يعرف قيمة الصوت الذي يصل إلى الأسير.. لأنه كان يومًا واحدًا منهم. وهكذا تحولت تجربة طارق في الأسر إلى رسالةٍ حملها معه بعد التحرر.
من الميكروفون إلى المسؤولية السياسية
لكن مسيرة طارق لم تتوقف عند العمل الإعلامي. فمع مرور الوقت، اتسعت مسؤولياته داخل حركة الجهاد الإسلامي، وانتقل إلى أدوارٍ سياسية وتنظيمية مرتبطة بالضفة الغربية.
وتولى مسؤولية مكتب حركة الجهاد الإسلامي في الضفة الغربية، وبرز اسمه كذلك بوصفه ناطقًا باسم الحركة في الضفة، ليتابع من غزة ما يجري في الأرض التي ينتمي إليها.
كان الرجل الذي حُرم من العودة إلى جنين، مسؤولًا عن متابعة قضايا الضفة. والذي أبعده الاحتلال عن أرضه، بقي حاضرًا في تفاصيلها. يتابع أخبار مدنها، واقتحاماتها، واعتقالاتها، وما يعيشه أهلها، ويحمل قضاياها في مواقفه وتصريحاته. وهنا تبدو إحدى أكثر المفارقات حضورًا في حياة طارق عز الدين:
الاحتلال أبعده عن الضفة، لكنه لم يستطع أن يبعد الضفة عنه.
الضفة.. الأرض التي لم تغادر ذاكرته
ظل طارق مرتبطًا بعرابة وجنين، حتى وهو يعيش في غزة. كانت المسافة بين المكانين كبيرة، لكن المكان ظل حاضرًا في وجدانه. كان يتابع أخبار بلدته، ويتواصل مع أهله، ويحلم باليوم الذي يستطيع فيه أن يعود إليها، وأن يعيش بين أهله بعد سنواتٍ طويلة من الغياب. لم تكن عرابة بالنسبة إليه مجرد مكانٍ وُلد فيه. كانت ذاكرةً وبيتًا وأهلًا وحياةً انتزع الاحتلال حقه في العودة إليها. وكان يريد أن يمنح أبناءه فرصة أن يعرفوا المكان الذي ينتمي إليه، وأن يعيشوا يومًا في الأرض التي حُرم هو من العودة إليها.
لكن السنوات كانت تمضي.. والعودة تتأجل.. حتى جاء اليوم الذي توقفت فيه كل المواعيد.
من الأسر إلى الشهادة
في فجر 9 مايو/أيار 2023، استهدفت طائرات الاحتلال منزل طارق عز الدين في مدينة غزة. كان في منزله مع عائلته. وفي الغارة، ارتقى طارق شهيدًا، إلى جانب طفليه علي وميار، فيما أصيبت زوجته ونجله محمد.
رحل طارق قبل أن يحقق حلمه بالعودة إلى عرابة، لكنه ترك خلفه سيرة رجلٍ حمل تجربته من الأسر إلى العمل، ومن الإبعاد إلى المسؤولية، ومن الميكروفون إلى الميدان، حتى ارتقى شهيدًا في غزة.
