التحديثات

نعمان طحاينة.. أسيرٌ حمل اسم رفيقه، ومفكرٌ ترك أثره في زمن الانتفاضة

06 تشرين أول / أكتوبر 2026 12:52

من السيلة الحارثية.. بدأت الحكاية

من السيلة الحارثية في محافظة جنين، وُلد ونشأ نعمان طاهر طحاينة، في بيئةٍ ارتبطت بتاريخ طويل من النضال الفلسطيني.

ومنذ سنواته الأولى، تشكل وعيه بقضية وطنه، فجمع بين العمل الوطني والاهتمام بالفكر والثقافة، حتى أصبح اسمه لاحقًا حاضرًا بين قيادات حركة الجهاد الإسلامي في شمال الضفة الغربية.

لم يكن نعمان مجرد ناشطٍ تنظيمي؛ فقد عُرف بين رفاقه بحضوره الفكري، وشخصيته القوية، واهتمامه بالقراءة والمعرفة، وهي ملامح رافقته طوال سنوات حياته، حتى في أكثر الأماكن قسوة.. داخل السجن.

الأسر.. حين حمل نعمان اسم صالح

كانت تجربة الأسر واحدة من أكثر المحطات إثارة في حياة نعمان طحاينة.

في سجن جنيد بنابلس، كان نعمان يقبع إلى جانب ابن بلدته وقريبه صالح طحاينة. ومع قرار الاحتلال نقل عدد من الأسرى بين السجون، بدا أن الفرصة قد سنحت لعمليةٍ غير مسبوقة.

كان نعمان محكومًا بمدة أقصر، بينما كان صالح يواجه حكمًا طويلًا. فاتفق الاثنان على تبادل هويتيهما أثناء عملية النقل.

خرج نعمان من جنيد إلى سجن كفار يونا باسم صالح، وحكمه الطويل، فيما انتقل صالح إلى سجن النقب باسم نعمان.

وبهذه الطريقة، أصبح كل واحد منهما يعيش باسم الآخر، في عملية بقيت واحدة من القصص اللافتة في تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية.

هويةٌ تبدلت.. وحكمٌ تغيّر

لم تتوقف القصة عند تبديل الأسماء. فقد تمكن صالح لاحقًا من الخروج من الأسر بهوية مختلفة، بينما بقي نعمان في السجن تحت اسم صالح، إلى أن بدأت سلطات الاحتلال تكتشف تفاصيل العملية.

وحين انكشفت الحقيقة، أعيدت محاكمة نعمان، وزادت مدة حكمه. لم يكن السجن بالنسبة إليه مجرد سنواتٍ من الانتظار؛ فقد كان مساحةً للثبات، والتعلم، وبناء الوعي، وهي التجربة التي تركت أثرها في شخصيته بعد خروجه.

من الأسر.. إلى ميادين انتفاضة الأقصى

بعد خروجه من الأسر، عاد نعمان طحاينة إلى العمل الوطني والتنظيمي، في مرحلة كانت فيها الأراضي الفلسطينية تعيش واحدة من أكثر مراحل الصراع احتدامًا، مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000.

تدرج في العمل التنظيمي، حتى أصبح من أبرز قيادات حركة الجهاد الإسلامي في شمال الضفة الغربية، وتركز نشاطه في جنين ومحيطها.

وفي تلك السنوات، أصبح اسمه مرتبطًا بالعمل التنظيمي والميداني للحركة، وبات مطاردًا من قوات الاحتلال، التي وصفته في حينه بأنه أحد أبرز قادة الجهاد الإسلامي خلال الانتفاضة.

قائدٌ يحمل كتابًا

لكن صورة نعمان لم تكن محصورة في الجانب التنظيمي. كان شغوفًا بالقراءة والثقافة، حتى إن شهادات من داخل الحركة الأسيرة تحدثت عن حمله خلال تنقلاته بين السجون حقيبة ملابس، وحقيبتين من الكتب الفكرية والمنوعة.

كان الكتاب بالنسبة إليه رفيقًا في الأسر، والمعرفة جزءًا من تكوينه، ولذلك ارتبط اسمه في شهادات وكتابات فلسطينية بلقب »المفكر «إلى جانب كونه قائدًا تنظيميًا.

ولم يكن هذا الوصف عابرًا؛ فقد بقي اسمه حاضرًا في الدراسات والكتابات، حتى أُهديت دراسة أكاديمية منشورة في جامعة النجاح الوطنية إلى «المفكر الشهيد نعمان طحاينة»، ووُصف فيها بأنه قدوة للمستضعفين.

جنين.. المحطة الأخيرة

ظل نعمان طحاينة مطاردًا لسنوات، متنقلًا بين أماكن الاختباء، ومواصلًا نشاطه التنظيمي والفكري في شمال الضفة.

وفي ظهر 13 تموز/يوليو 2004، وصلت مطاردة الاحتلال إلى نهايتها في مدينة جنين.

هناك، اغتالته قوات الاحتلال الخاصة، لينتهي فصل من حياة رجلٍ أمضى جزءًا منها خلف القضبان، وجزءًا آخر مطاردًا، وظل طوال الطريق يحمل هاجس فلسطين، ويجمع في شخصيته بين الأسير والقائد والمفكر.

إرثٌ لا يختصره الغياب

ترك نعمان طحاينة أثرًا في أكثر من مساحة.. في الحركة الأسيرة، بقيت قصته مع صالح طحاينة واحدة من أكثر روايات تبديل الهويات إثارة في تاريخ الأسر الفلسطيني. وفي العمل التنظيمي، بقي اسمه مرتبطًا بمرحلة مهمة من نشاط حركة الجهاد الإسلامي في شمال الضفة خلال سنوات انتفاضة الأقصى.

وفي الفكر والثقافة، بقيت الكتب والشهادات والدراسات تحفظ جانبًا من شخصية رجلٍ لم يفصل بين المقاومة والمعرفة.

رحل نعمان طحاينة في الثالث عشر من تموز عام 2004.. لكن سيرة الأسير، والقائد، والمفكر.. بقيت حاضرة.

انشر عبر