من غزة البحر.. بدأت الحكاية
في منطقة غزة البحر، قرب مسجد العباس، وُلد أحمد عبد الرحمن أبو حصيرة «أبو العبد» في الخامس والعشرين من ديسمبر عام 1952. نشأ في أسرة غزية كبيرة، بين ستة إخوة وأختين، وتلقى تعليمه في مدارس غزة، حتى حصل على الثانوية العامة في الفرع الأدبي.
وفي سنوات شبابه، عمل إلى جانب والده وأحد إخوته في تجارة الأسماك، قبل أن تتجه حياته تدريجيًا نحو العمل الوطني، وتبدأ معها رحلة طويلة ستقضي على امتدادها سنواتٍ من عمره خلف القضبان.
الأسر.. بداية الطريق الطويل
في الثامن من نوفمبر عام 1971، اعتُقل أحمد أبو حصيرة للمرة الأولى، وكان يومها في التاسعة عشرة من عمره تقريبًا.
حُكم عليه بالسجن عشر سنوات، وأمضى منها نحو ثماني سنوات، قبل أن يُفرج عنه في الرابع والعشرين من أغسطس عام 1979.
لكن السجن، رغم قسوته، لم يكن بالنسبة إليه مجرد سنواتٍ تُعدّ انتظارًا للخروج. فداخل المعتقل، اتجه إلى القراءة ودراسة الكتب الفكرية والوطنية والإسلامية، وبدأ يتشكل لديه ذلك الارتباط بالمعرفة والتثقيف الذي رافقه لاحقًا طوال تجربته في الأسر.
من الحرية.. إلى البدايات الأولى للجهاد الإسلامي
خرج أبو حصيرة من سجنه الأول عام 1979، وعاد إلى الحياة المدنية، وتنقل بين عدد من المهن، قبل أن يلتقي عام 1981 بالدكتور فتحي الشقاقي.
كان اللقاء بداية علاقة فكرية وتنظيمية جديدة، وفي السنوات التي تلت، ارتبط أبو حصيرة بالبدايات الأولى للعمل العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة.
وتذكر الروايات المنشورة عنه أنه كان من العناصر التي شاركت في تشكيل إحدى المجموعات العسكرية الأولى للحركة، والتي بدأت تنفيذ عملياتها في مطلع الثمانينيات. وهكذا، لم تكن سنوات ما بعد الاعتقال الأول عودةً إلى الحياة العادية، بل بداية مرحلة جديدة من العمل التنظيمي، انتهت باعتقاله مرة أخرى.
الاعتقال الثاني.. 35 عامًا من الحكم
في الثامن عشر من فبراير عام 1986، اعتُقل أحمد أبو حصيرة للمرة الثانية. هذه المرة، كان الحكم أثقل.. 35 عامًا خلف القضبان.
وتشير الشهادات المنشورة إلى أنه خضع لتحقيق قاسٍ، ومكث فترة طويلة في الزنازين، قبل أن يبدأ رحلة اعتقال جديدة امتدت لأكثر من ربع قرن. وخلال هذه السنوات، التقى بعدد من قيادات الحركة الأسيرة، وكان من بينهم فتحي الشقاقي، الذي جمعه به السجن في مراحل مختلفة قبل إبعاده إلى لبنان.
لكن أبو حصيرة لم يتعامل مع سنوات الحكم الطويلة باعتبارها سنوات ضائعة؛ بل واصل داخل الأسر العمل التنظيمي والتثقيفي، وشجع الأسرى على التعليم والقراءة والدراسة.
السجن.. مدرسة أخرى
كان أحمد أبو حصيرة من الشخصيات التي تركت أثرًا في الحياة الداخلية للحركة الأسيرة.
وتشير شهادة الأسير المحرر رأفت حمدونة، الذي عاش معه سنوات في سجني عسقلان ونفحة، إلى أنه كان معروفًا بالهدوء والحكمة وتحمل المسؤولية، وكان يشجع الأسرى على الدراسة الجامعية، ويساعدهم في توفير الكتب والإمكانات التعليمية. وهكذا أصبح الكتاب بالنسبة إلى أبو حصيرة أكثر من وسيلة لقتل الوقت؛ كان وسيلةً للحفاظ على الوعي، وبناء الإنسان، ومواجهة محاولات عزل الأسير عن المعرفة.
حتى تحولت سنوات الأسر الطويلة إلى جزء من إرثه الثقافي والتنظيمي داخل الحركة الأسيرة.
أكثر من ثلاثة عقود.. والانتظار لا ينتهي
مرت السنوات.. من 1986 إلى 2011، بقي أبو حصيرة خلف القضبان، حتى أصبح واحدًا من أصحاب أطول فترات الاعتقال بين الأسرى الفلسطينيين.
وفي عام 2010، رُفض طلب الإفراج عنه رغم قضائه أكثر من ثلاثة عقود في السجون، وأُشير آنذاك إلى أنه كان من الأسماء المرشحة للإفراج ضمن صفقة التبادل المرتقبة مع الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط.
كان ينتظر الحرية، فيما كان الزمن يمضي خارجه.
وفاء الأحرار.. حين عاد بعد 34 عامًا
في 18 أكتوبر 2011، جاء الموعد الذي انتظره طويلًا. خرج أحمد أبو حصيرة من السجن ضمن الدفعة الأولى من صفقة وفاء الأحرار، التي شملت الإفراج عن 477 أسيرًا في مرحلتها الأولى، من أصل 1027 أسيرًا أفرج عنهم ضمن الصفقة. ويظهر اسمه في القائمة الرسمية للأسرى المفرج عنهم.
خرج أبو العبد إلى الحرية بعد نحو 34 عامًا من الاعتقال على فترتين، وقد تجاوز الخمسين من عمره. خرج من السجن رجلًا، لكنه وجد أمامه حياةً كاملة كان قد حُرم من تفاصيلها.
أبٌ بعد الستين
ربما كانت أجمل فصول حكايته تلك التي بدأت بعد الحرية. بعد أكثر من ثلاثة عقود خلف القضبان، بدأ أبو حصيرة يبني حياته الأسرية. ففي عام 2015، رُزق بابنته نور، ثم بابنه عبد الرحمن.
كان قد بلغ الثانية والستين تقريبًا عندما أصبح أبًا للمرة الأولى. سنوات طويلة عاشها بعيدًا عن تفاصيل البيت والعائلة والأبوة، ثم وجد نفسه يعيشها من جديد بعد أن ظن أن كثيرًا من تفاصيل الحياة قد مضت دون عودة.
كانت نور وعبد الرحمن بالنسبة إليه أكثر من طفلين؛ كانا فصلًا جديدًا من حياةٍ تأخرت كثيرًا.
الرحيل.. بعد الحرية
لم تمتد سنوات الحرية طويلًا. في أبريل عام 2021، أُصيب أحمد أبو حصيرة بفيروس كورونا، وبعد معاناة مع المرض، توفي في غزة عن عمر يقارب التاسعة والستين عامًا. رحل أبو العبد بعد أن قضى أكثر من نصف حياته في الأسر، لكنه ترك خلفه سيرةً لا تختصرها أرقام الاعتقال.
إرثُ الأسير.. والإنسان
كان أحمد أبو حصيرة واحدًا من جيلٍ عاش سنواتٍ طويلة خلف القضبان، لكنه لم يسمح للسجن أن يكون نهاية حكايته.
ترك أثرًا في الحركة الأسيرة من خلال سنوات الاعتقال الطويلة، والعمل التنظيمي والتثقيفي، والاهتمام بالتعليم والكتب.
وبعد الحرية، ترك إرثًا إنسانيًا آخر.. طفلان حملا اسمه، وذكريات حياةٍ بدأ يعيش تفاصيلها متأخرًا، لكنها بقيت جزءًا من حكايته حتى النهاية.
أمضى أكثر من ثلاثة عقود خلف القضبان.. وحين خرج، لم يحمل معه سنوات الأسر فقط، بل حمل معها ذاكرة جيلٍ كامل من الأسرى.
