وتستمر التضحيات الجسام ويستمر عطاء الأسرى داخل سجون الاحتلال، ويستمر نهج الإجرام بحق من غابوا عنا بأجسادهم وهم حاضرون بعطائهم، فتارة من أعمارهم المسلوبة رغماً عنها داخل قبور الأحياء، وتارة بهدم بيوتهم التي تأوي عوائلهم، وتارة أخرى باعتقال أحبابهم والزج بهم داخل باستيلات الاحتلال الصهيوني.
فمسلسل الدم لا ينتهي، وحجم الإجرام مازال متواصلاً ومتصاعداً، بوتيرة أشرس وأعنف, فكلما زاد الصمت المخزي من قبل هذا العالم الظالم، تصاعدت وتيرة الهمجية الصهيونية بحق أبناء شعبنا بأطيافه كافة.
تتعاظم شراستهم التي تستهدف الأسرى داخل السجون، لتتجسد بصور مروعة، كالعزل والتنكيل والحرمان من الدواء والزج خلف القضبان دون مبرر، بلا مسوغ أخلاقي ولا قانوني، بل تتعدى ذلك ليصل الإجرام الصهيوني إلى عوائلهم، الذين هم مبعث أملهم ونبع كل المعاني الجميلة التي تجعلهم يقوون على البقاء رغم كل شيء، تُباغت كل معاني الإنسانية وتنال من فلذات أكبادهم، فاليوم كان شاهداً على تلك العنجهية الصهيونية التي لم تكتفِ بنزعها حرية الجسد ممن تغيبهم قضبان ظالمة، بل تتعمد نزع روحٍ من روح أحد الأسرى وكأنها تُنثر في سماء هذا الوطن، لتعود إلى مستقرها بين ثنايا أرض الوطن الحبيب، بين أزهار اللوز وعبق الربيع، وتطير عالياً من جديد لتنير سماء القدس الحزينة، تنزف ظلم وجور المحتل، لا يضمد جراحها سوى هذا الشعب المعطاء الذي لا يكل ولا يمل من عطائه الذي لا ينضب أبداً.
الأسير القيادي في حركة الجهاد الربانية محمد أبو فنونة، والذي ما يلبث يتنسم الحرية إلا ويفارق عائلته مرة أخرى على أيدي هذا المحتل المجرم الذي لا يعرف سوى لغة القتل والتدمير والهدم والإبعاد والاعتقال، روح نجله محمود تعانق هذا المساء سماء الوطن وتلوح من عليائها، يرسل لوالده البطل هناك في سجون الاحتلال رسالة وداع، كأنها عبق مسك وريحان، ولسان حاله يقول له :" يا والدي إن اليد الغادرة التي سرقتك منا سنوات طوال، هي ذاتها التي سرقت روحي منك يا أغلى الناس".
محمد ابن الواحد وعشرين ربيعاً، لم يعش في حضن والده ثلث عمره الذي لم تفتر عزيمته يوماً، والذي ما زال يدفع من عمره وصحته، متنقلا بين سجون الاحتلال ومستشفياته الاجرامية، والتي أثقلت جسده بالأمراض الفتاكة دون أن يتلقى أدنى متطلبات العلاج.
هذا الإجرام الممنهج، لم يسلم منه لا الشجر ولا الحجر ولا البشر، بل أصبح القتل والإعدام عادة يستمرؤها الاحتلال على مرأى ومسمع من عالم الظلم والجور، إن لم يكن بموافقة ومباركة منه، فصمته الرهيب وتحيزه المجحف لصالح الجلاد المجرم يجعله شريكاً مباشراً بالجريمة.
فما زلنا نشاهد يومياً عمليات الإعدام اليومية وعلى الهواء مباشرة وهذه الماكينة الدموية الصهيونية تفتك بشبابنا وبناتنا، لكن عزاءنا أنهم يروون بدمائهم ثرى هذا الوطن.
في حضرة الشهداء والأسرى ماذا عسانا نقول، فلم يبقَ للكلام ولا للمنطق مكان أمام هذا العطاء، الذي كان ومازال وسيبقى جداراً فولاذياً في وجه مخططات الاحتلال وإجرامه، وهو يتفنن في ابتكار كل وسيلة إجرامية ليستخدمها بحق من هم أروع وأبهى وأنقى من يعيشون بيننا وفينا، الشهداء والأسرى.
بقلم : الاسير المحرر والمبعد
طارق عزالدين
18\3\2016
