المتغير السياسى ، هو الذى أدخل العديد من المفاهيم فى المجتمع الفلسطينى بشكل عام ، وعلى الحزب السياسى بشكل خاص ، وكان له انعكاسه فى الحركة الأسيرة وأثره على الأداء التنظيمى للمعتقلين ، وبما أن المعتقلين هم بالأساس نتاج لقضية وصراع سياسى ، فقد كانوا من أكثر الفئات تأثراً بكل جديد على الساحة السياسية [1] ، ومن خلال كل مستجد على الساحة الفلسطينية مع الاحتلال أثبتت الحركة الأسيرة أنها طليعة النضال الوطنى الفلسطينى ضد الاحتلال ، وأنها بفعل واقعها الموضوعى تتبوأ الصدارة فى قلب الصراع اليومى معه ، وبفعل هذه المكانة والسمة الثورية التى تتحلى بها ، فانها قد اضلعت بدورها الطبيعى والطليعى فى قلب الحركة الوطنية والجماهيرية الفلسطينية التى تناضل من أجل الحرية ، وتجسيد برنامج حق العودة وتقرير المصير ، وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف [2] .
ويرى الباحث أن الحركة الأسيرة منذ بداية نشأتها تعيش فى حالة من الاستنفار المتواصل ، وتشعر باستمرار المعركة المحتدمة ، وانتقلت من حالة إلى حالةبمد وجزر وفق المتغير السياسى ومدى قوة جبهة النضال الفلسطينى والعربى الخارجى فى معركتها النضالية مع الاحتلال الاسرائيلى ، فتأثير هزيمة حزيران عام 1967م ، تختلف عن مرحلة انتصار أكتوبر 1973 على المستوى العربى ، فى الأولى حاول السجان إهانة الأسرى فى كل تفاصيل حياتهم ، وفى الثانية استطاع الأسرى الصمود بكل قوة وجبروت أمام إدارة السجون وسياساتها القمعية ، وكانت بداية إرساء دعائم التنظيمات والعمل الجماعى والخطوات النضالية فى السجون ، كما أن انعكاس انتفاضة 1987 يختلف عن اتفاقية أوسلو فى العام 1993 ، ففى الأولى استطاع الأسرى تحقيق ما لم يحققه الأسرى طوال وجودهم فى الاعتقال ، وكانت ذروة الانتصار ، فى حين تراجعت إمكانيات الأسرى فى أعقاب اتفاقية أوسلو لتعلقهم بالحرية وآمالهم بالافراجات السياسية ، ويختلف تأثير انتفاضة 2000 ، عن الانقسام الفلسطينى فى العام 2007 ، ففى الأولى دخل الأسرى للسجون موحدين فى أعقاب عمليات بطولية فرضت هيبة الأسرى على السجان ، فى حين استغلت إدارة السجون واقع الفرقة الفلسطينية فى الخارج ، وقسمت الأسرى وفق الانتماء السياسى ، مما أدى إلى تراجع الموقف الاعتقالى التاريخى الموحد أمام السجان وتراجعت قوة الحركة الأسيرة وفق ذلك المتغير السياسى .
وبموجب الحدود الزمنية للدراسة ما بين ( 1985 - 2015 ) فسيتطرق الباحث للمتغيرات السياسية المركزية التى أثرت على واقع الحركة الفلسطينية الأسيرة ، ودورهم فيها فى الأعوام ما بين 1985 حتى 2015 .
1- تبادل الأسرى 1985 :
فى عشرين آيار / مايو 1985 ، أجرت إسرائيل عملية تبادل مع الجبهة الشعبية ( القيادة العامة ) سميت ب ( عملية الجليل ) ، أطلقت اسرائيل بموجبها سراح ( 1155 ) أسيراً ، كانوا محتجزين فى سجونها المختلفة ، منهم ( 883 ) أسيراً من سجون فلسطين المحتلة ، و( 118) آخرين كانت إسرائيل قد اختطفتهم من معتقل أنصار فى الجنوب اللبنانى أثناء تبادل العام ( 1983 ) مع حركة فتح و ( 154 ) معتقلاً كانوا قد نقلوا من معتقل أنصار إلى معتقل عتليت أثناء الإنسحاب الإسرائيلى من جنوب لبنان ، ومقابل ذلك أطلق الفلسطينيون ثلاثة جنود إسرائيليين [3].
انعكس هذا الحدث بشكل كبير على السجون وأوضاعها للإفراج عن الكوادر والقيادات من ذوى الخبرة التاريخية الإعتقالية والنضالية الواسعة ، وقد تطلب الأمر حينها إعادة تشكيل كافة الهياكل التنظيمية لكل التنظيمات الفلسطينية، وفي الغالبية العظمى من السجون، وأفرزت هذه المرة قيادات اختلف تفكيرها تجاه أغلب القضايا عن القيادات السابقة، وكذا على الجانب الإسرائيلي، فقد أعادت إسرائيل تقييم سياستها تجاه المعتقلين وقامت بتغيير في قيادة مصلحة السجون ، وكذلك في بعض مدراء السجون وعلى رأسها سجن عسقلان.
أما على صعيد المعتقلين فقد اتسمت القيادات الجديدة بالتطرف أكثر في تعاملها مع الإدارة، كون هذه القيادات من محدودي الخبرة، وكذا كانت التغيرات الجديدة في مصلحة السجون تعبر عن نقل مدراء أكثر تطرفاً للسجون التي حصل فيها المعتقلون في الأعوام الأخيرة على امتيازات كثيرة كعسقلان وجنيد، وهذا ما وفر الأجواء المناسبة لحصول الكثير من الصدامات بين المعتقلين والشرطة، ويعد النصف الثاني من عام 1985 وبداية 1986 أكثر فترة على الإطلاق تسجل فيها حوادث الصدامات بين الطرفين[4].
لاشك أن عملية تبادل الأسرى عملت على تفريغ المعتقلات من مئات الكوادر المجربة ، لذا فان الكوادر التى لم تشملها العملية ، لعبت دوراً كبيراً فى ملء الفراغ ، وبذلت جهوداً استثنائية فى قيادة المعتقلين الجدد ، وتشريبهم مفاهيم وأسس التجربة ، والانطلاق بهم من حيث وصلت ، وما ساعد هؤلاء القياديين فى مهمتم أن المعتقلين الأوائل وبعد سنوات من النضال تمكنوا من توثيق التجربة وكتابتها بأدق تفاصيلها ، فعندما تحرر القسم الأكبر من كوادر معتقل نفحة فى العام 1985 ، خلفوا ورائهم أرشيفاً تنظيمياً وفكرياً وثقافياً وابداعياً ، وهذا انسحب بالطبع على المعتقلات الأخرى ، أى أن التجربة التى أصبحت مكتوبة ومؤرشفة لم تتعرض لفترات من القطع ، وانما ظلت متواصلة ، يضاف اليها من عام إلى آخر [5].
الأسير سليم حسين الزريعى الذى لم يتم الإفراج عنه فى التبادل وأمضى 24 عاماً فى السجون وصف الحالة بالقول : لقد بلعنا الألم لكى لا يشمت فينا أعدائنا ، ففى سجن نفحة لم يتبق إلا سبعة عشر أسيراً من قسمين كانا يضمان ما يقارب من مئة أسير ، لحظتها لم يكن أمامنا سوى الصمود للبقاء على نفس القدر من القوة وعدم الاستغلال ، فازددنا صلابة وقوة وإرادة خوفاً من العودة للسنوات الأولى للاعتقال ، وكثفنا من الجلسات التعبوية لتصليب الاراداة وبث الروح التفاؤلية بافراجات قادمة وبدأنا بالخطوات النضالية التى تزامنت بخطوات إسنادية فى الخارج بعد الإفراج عن زملاءنا فانتصرنا ، بعد أن أحضرت إدارة السجون معتقلين جدد إلى نفحة من معتقلات أخرى فبدأنا ببرنامج ثقافى وصل فيه عدد الجلسات إلى ثلاثة يومياً ، فى تلك الأيام كانت تدرك أجهزة الأمن الاسرائيلية أننا على جاهزية لقتل أى سجان ونتحمل مسؤولية ذلك على أن لا نعود للمربعات الأولى للاعتقال كما ترغب وتخطط الإدارة لتحقيق ذلك ، حينها استطعنا حماية نضالنا ودماء شهداءنا وتراكم تضحياتنا [6].
2- انتفاضة 1987 م :
تعددت الروايات بشأن الأسباب والشرارة الأولى لإنتفاضة 1987 ، فالبعض أوعزها لحادث دهس سيارة شحن إسرائيلية بشكل متعمد لسيارتين أقلتا عمالاً فلسطينيين من قطاع غزة على طريق غزة – المجدل مقابل محطة البنزين على مقربة من حاجز بيت حانون ( ايرز) فتحطمت السيارتان بشكل كامل ، ونتج عن ذلك استشهاد أربعة أشخاص وجرح ثمانية آخرين ، وفى أعقاب الحادث خلال جنازة الضحايا اندلعت احتجاجات عفوية ، تبعها إلقاء الحجارة على موقع للجيش الإسرائيلي في مخيم جباليا شمال القطاع ، لكن ثمة من يرى أن هذه الحادثة كانت مجرد القشة التي قصمت ظهر البعير، لأن الانتفاضة اندلعت بسبب تظافر عدة أسباب، كعدم تقبل الاحتلال الإسرائيلي الذي كان سببًا في عمليات التهجير القسري، فضلًا عن تردي الأوضاع الاقتصادية ، وسعى الفلسطينيون عبر الانتفاضة إلى تحقيق عدة أهداف يمكن تقسيمها إلى ثوابت فلسطينية ومطالب وطنية، مثل إقامة دولتهم الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وتمكينهم من تقرير المصير ، وتفكيك المستوطنات ، وعودة اللاجئين دون قيد أو شرط، إلى جانب تقوية الاقتصاد الفلسطيني .
ومن بين المطالب التي كانت حاضرة بقوة فى الانتفاضة إخلاء سبيل الأسرى الفلسطينيين والعرب من السجون الإسرائيلية، ووقف المحاكمات العسكرية الصورية ، والاعتقالات الإدارية السياسية والإبعاد والترحيل الفردي والجماعي للمواطنين والنشطاء الفلسطينيين، ولم شمل العائلات الفلسطينية من الداخل والخارج[7].
فالانتفاضة شكلت نقطة تحول كبيرة ونوعية فى جهاد الشعب الفلسطينى لنيل حقوقه ، حيث أنها بكل ما حملته من عنفوان وقوة ، كانت أكبر تحدى يواجه الاحتلال الإسرائيلى الذى وجد نفسه أمام تيار جارف وعظيم من شتى الشرائح والمستويات[8] .
ومن التنظيمات الفلسطينية من اعتبر أن الشرارة الأولى للإنتفاضة كانت في السادس من أكتوبر 1987 ، فى أعقاب اشتباك فى منطقة الشجاعية مع جيش الاحتلال ما بين أربعة مجاهدين تابعين لحركة الجهاد الاسلامى ، منهم أسيران وهم " سامي الشيخ خليل ومحمد الجمل " استطاعوا بشكل إبداعى بمعية أسرى آخرين أن يهربوا من سجن غزة المركزى وسط القطاع فى السابع عشر من رمضان من نفس العام فى ظل احتياطات أمنية إسرائيلية معقدة ، وكان الاشتباك بعد شهور من الملاحقة والمطاردة لهم .
ولكون الانتفاضة انطلقت بعد عامين من صفقة 1985 ، فعدد كبير من المحللين والأسرى المحررين من ربط بين الانتفاضة وقيادة أولئك المحررين لها ، وأكد على الدور البارز لهم فى سيرورتها .
الكاتب فى صحيفة الأيام الأسير المحرر أكرم عطالله يؤكد ذلك بالقول : " إن الغالبية ممن تحرروا من السجون فى العام 1985 كانوا قادة سياسيين وعسكريين ولديهم خبرة تنظيمية وأمنية عميقة اكتسبوها من السجون وتحلوا معها بالثقافة الواسعة ، وقد تحدث بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي في كتابه "مكان بين الأمم" على أن الأسرى الذين أطلق سراحهم في صفقة 85 هم الذين قادوا الانتفاضة الأولى [9] .
الأسير المحرر عبد المنعم حسان رأى أن تجربة الأسرى المحررين فى صفقة 1985 أعطت زخماً كبيراً في سير الانتفاضة الفلسطينية فى العام 1987 ، وكانت قيادة الإنتفاضة بالتعاون ما بين قيادة الخارج ، والقيادة الوطنية من الفصائل الفلسطينية فى الداخل ، وعلى رأسها خيرة المحررين من سجون الاحتلال[10] .
الأسير المحرر فى صفقة 1985 والقيادى محمود الزق أكد على دور المحررين فى الانتفاضة، واصفاً زملاءه بالتميز بالوعى السياسى ، والصلابة النضالية والقناعة الراسخة بقضية الوطن ، مضيفاً أن الغالبية العظمى منهم قد عادوا فوراً لممارسة نشاطهم النضالى ، فساهموا بتعزيز ثقافة الثورة والتمرد على الاحتلال والتضحية من أجل الحرية ، فكانوا النواة الأولى التى قادت انتفاضة 1987 [11].
واعتبرت هذه المرحلة من أكثر المراحل حساسية فى تاريخ الحركة الوطنية الأسيرة ، ما قبل اتفاقية اوسلو 1993 ، حيث لعبت عوامل عديدة محلية ودولية دوراًفى التأثير على مسيرة الحركة الأسيرة داخل السجون ، حيث المواجهات والاعتقالات ، واقامة المعسكرات العسكرية لاسيعاب الأعداد الجمة من المعتقلين ، حيث أن سلطات الاحتلال الاسرائيلى خلال سنوات الانتفاضة الأولى ما بين ( 1987 – 1994 ) اعتقلت قرابة ( 200 ألف ) مواطن أى بمعدل ثلاثين ألف حالة اعتقال فى العام الواحد [12] ، إضافة إلى عامل آخر وهو العدوان الثلاثى على العراق ، وما أحدثه من متغيرات دولية عكست نفسها على القضية الفلسطينية وحركتها الوطنية التى تعتبر الحركة الأسيرة جزءاً منها [13].
هذه العوامل لعبت دوراً فى التأثير على المسيرة الإعتقالية فى السجون ، إذ أن عمليات الاعتقال والبطش التى مارسها جيش الاحتلال ضد الشعب الفلسطينى فى الانتفاضة ، وفرض سياسة القبضة الحديدية ، قد طالت الأسرى ومنجزاتهم وحقوقهم ، وكان واضحاً أن هناك مخططا لضرب الحركة الأسيرة وتقويض منجزاتها ، وذلك بتنصل إدارة السجون من وعودها التى قطعتها على نفسها ، فى تحسين ظروف الحياة داخل السجون ، وتصعيد إجراءاتها التعسفية اتجاه حقوق الأسرى[14] .
انتفاضة العام 1987 كان حدثاً مهماً بالنسبة للمعتقلين ، كما هو الحال بالنسبة للشعب الفلسطينى عامة ، حيث سجلت حضوراً مكثفاً فى حياتهم ، فأصدروا المجلات والنشرات والبيانات ، التى تناولت الانتفاضة ، تشخيصاً وتحليلاً ، وتبنوا الشهداء وأحيوا فى احتفالات خاصة مناسبة دخول الانتفاضة كل شهر جديد من عمرها النضالى ، وكثفوا مراسلاتهم مع فصائلهم ، محاولين الإسهام من وحى تجاربهم النضالية ، بالاقتراح والتصور ، لعل ذلك يغنى ويفيد التجربة ، وتفاعل المعتقلون وجدانياً وإبداعياً مع الانتفاضة ، فأبدعوا من وحيها اللوحات الفنية والقصائد الشعرية ، والقصص القصيرة ، والنصوص المسرحية [15] .
ولم يعدم المعتقلون الوسيلة النهوض بأوضاعهم وتجاوز صدمة شهور الاعتقال الأولى والتحول إلى الهجوم من خلال عدد من الإضرابات والخطوات الاحتجاجية الأخرى ، وهذا ليس مستغرباً ، فعدد كبير من الكوادر والأعضاء اللذين خاضوا تجارب إعتقالية سابقة قد أعيد اعتقالهم ،فحاولوا توظيف تجاربهم فى بناء واقع إعتقالى جديد ومنظم ، ووجد المعتقلون فى العام 1992 م وفى مواقع الاعتقال كافة ، ضرورة ملحة لخوض إضراب مفتوح عن الطعام ، بعد أن شددت إدارة السجون ضغوطها عليهم فى المعتقلات التقليدية ، جنباً إلى جنب مع تشديد الجيش إجراءاته على المعتقلين فى معسكرات الاعتقال التى يشرف عليها ، فكان الإضراب رسالة موجهة للإسرائيليين مفادها أن أسلوب القمع والإذلال وامتهان إنسانية الإنسان لا يمكن أن يمر مرور الكرام[16] .
ويرى الباحث أن حالة الإبداع فى هذه الحقبة الحرجة تتمثل فى قدرة الأسرى القدامى رغم فيضان الأسرى الجدد ، و إزدحام الغرف ، والإستهداف من قبل إدارة مصلحة السجون لهم على كل المستويات ، أن يستوعبوا الأعداد الهائلة من المعتقلين ، ودمجهم إعتقالياً وثقافياً ، وتعبئتهم نضالياً ، وتحصينهم أمنياً ، وتجهيزهم للمواجهات التى كانت ذروة انتصار الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة على مدار تاريخها فى إضراب 1992 م ، والذى دام 17 يوماً وحققوا فيه غالبية مطالبهم.
3- اتفاقية أوسلو :
بانطلاق عملية السلام فى الشرق الأوسط فى أوائل التسعينات ، عقب حرب الخليج الأولى ، وعقد مؤتمر مدريد للسلام ، الذى استضافته الحكومة الاسبانية فى 30 تشرين الأول / أكتوبر 1991 ، برعاية كل من الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفيتى[17]، والذى أكد فيه رئيس الوفد الفلسطينى المفاوض الدكتور حيدر عبد الشافى أمام الحضور على قضية الأسرى بالقول " جئنا إليكم من وطن معذب وشعب أسير لكنه يكابر ، ومطلوب الآن منا أن نتفاوض مع محتلينا بعدما تركنا ورائنا أطفال الحجارة وشعباً تحت الاحتلال ، وتحت نظام منع التجول ، وائتمنونا على أن لا ننسى أو نتنازل ، وفى الوقت الذى نخاطبكم لا يزال الآلاف من إخوتنا وأخواتنا يقبعون فى سجون الاعتقال الإسرائيلية ومعسكراته ويحتجز معظمهم من دون دليل أو لائحة اتهام أو محاكمة ، وقد تم التنكيل بالكثيرين وعذبوا أثناء التحقيق لا لذنب اقترفوه سوى تطلعهم إلى الحرية وتجرؤهم على تحدى الاحتلال ، نتحدث باسمهم ونقول: أطلقوهم [18]"، و بعد تعثر المفاوضات سارعت الإدارة الأمريكية "بعد عشر جولات من مفاوضات لم تسفر عن شيء بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أعدت الإدارة الأمريكية في حزيران/ يونيو 1993، مقترحاً أسمته " إعلان مبادئ "[19]فى أعقاب مفاوضات سرية موازية للمفاوضات في مدريد وواشنطن ، وفوجئ الشعب الفلسطيني والمفاوضون في مؤتمر مدريد بتلك التطورات " وبعد الجولة الحادية عشرة من المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية، تم الكشف، عن القناة التفاوضية السرية التى أفضت إلى تفاهمات وإعلان المبادئ في العاصمة النرويجية أوسلو[20] ، وقد تأسست بموجبه السلطة الوطنية بناء على هذا الاتفاق الموقع بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل فى 13 سبتمبر 1993م [21]، والتى أدخلت الحركة الأسيرة فى مشروع الدفاع عن وجودها السياسى والوطنى والمطالبة أن تكون جزءاً من أى اتفاق سياسى وبشكل عادل لا يمس كرامتها الوطنية ولا يؤدى إلى استغلالها لأهداف سياسية [22].
وبعد عدد من المحطات التفاوضية والتواقيع المرحلية فى مدريد 30/10/1991، وواشنطن من 1991 حتى1993 ، وأوسلو 13/9/1993، و القاهرة 4/5/1994 ، وطابا28/9/1995، وواى ريفر23/10/1998 ، وشرم الشيخ 4/9/1999 ، أفرجت اسرائيل عن آلاف الأسرى بشرط التوقيع على وثيقة تعهد تقضى بعدم العودة للعمل العسكرى ضد اسرائيل " ، وأدرجت هذه الإفراجات فى إطار سياسة حسن النوايا، وانخفض عدد الأسرى - بعد عناء وضغوط نفسية وحالة سخط وإحباط ، وبعد ثلاثة إضرابات سياسية فى 21/6/1994 ، وفى 18/6/1995 ، وفى 5/12/1998 م .
" وبعد حالات احتجاج شعبية – تم الإفراج عن ( 11250 ) أسير وأسيرة من أصل (12500) كانوا محكومين بأحكام متفاوتة ، أى ما نسبته 90% من المعتقلين[23] " ، باستثناء ما يقارب من (1250) أسيراً معظمهم ممن قاموا بعمليات قتلوا أو أصابوا فيها إسرائيليين ، أو من سكان القدس وفلسطينى 1948 ، ومن فصائل المعارضة الفلسطينية ، وبقيت هذه القضية " أسرى ما قبل اتفاقية أوسلو " عالقة حتى تاريخ هذه الدراسة ، رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية توصلت بداية 2014 إلى اتفاق بين الفلسطينيين والإسرائيليين ، يقضى بأن تطلق إسرائيل سراح المعتقلين الفلسطينيين المحتجزين قبل أوسلو، على 4 دفعات ، مقابل أن تمتنع السلطة الفلسطينية عن التوجه للانضمام إلى المنظمات الدولية بعد أن تم الاعتراف بفلسطين دولة غير كاملة العضوية ، وأطلقت إسرائيل سراح 78 أسيراً منهم على 3 دفعات ، ورفضت الإفراج عن الدفعة الرابعة التي من المفترض أن يطلق سراحها بتاريخ 29 مارس 2014 ، والتى تضم 32 أسيراً ، عدد منهم من فلسطينيى ال 48 والقدس ، الأمر الذى أدى إلى تفجر الأوضاع بين الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى من جديد [24] ، ورداً على التعنت الإسرائيلى فى هذا الملف ، وقع الرئيس الفلسطينى محمود عباس فى 1/4/2014 على وثيقة للانضمام إلى 15 معاهدة دولية ، بعد موافقة القيادة الفلسطينية بالإجماع على التوجه إلى مؤسسات الأمم المتحدة ، منها التوقيع على إنضمام فلسطين للجنائيات الدولية بهدف تقديم شهادات مشفوعة بالقسم لمحاكمة شخصيات إسرائيلية ارتكبت جرائم حرب بحق الشعب الفلسطينى ، ورداً على تعنت حكومات نتنياهو المتعاقبة التى تنصلت من الاتفاقيات السابقة ، واعتبرت توقيع حكومة رابين على الحكم الذاتى بصيغته الموقعة سيفضى إلى دولة ، وهذا نموذج مزيف يجب رفضه وعدم تطبيقه[25] .
الأسرى ورقة مساومة :
لم يدرك الإسرائيليون أنه لا يجب أن لا تكون موضع تفاوض وتستخدم كورقة مساومة من قبل الجانب الاسرائيلى وخاصة إذا ما كان إطلاق سراح الأسرى والمعتقلين ذا فوائد عديدة وايجابية بالنسبة لعملية السلام ، لأن قضية الأسرى مرتبطة بكل بيت فلسطينى ، ومن أكثر القضايا حساسية فى الشارع الفلسطينى [26].
على العكس قام الجانب الاسرائيلى باستغلال هذه الورقة استغلالاً جيداً ، واستخدمها للمساومة ولابتزاز المفاوض الفلسطينى ، فالمفروض فى أى تسوية سليمة أن يتم الإفراج عن هؤلاء الأبطال من الاعتقال ، ليسهموا فى رسم خطوط المرحلة الجديدة[27]، ولكن إسرائيل سوقت إعلامياً مصطلحات غريبة " كأصحاب الأيدى الملطخة بالدماء " من الأسرى [28]، وعملت على تصنيف الأسرى على أساس جغرافى ( أسرى الدوريات ، أسرى ال 48 ، القدس ، الضفة وغزة ) ، أو على أساس انتمائهم السياسى ( الحركات الاسلامية ، فصائل مؤيدة لاتفاق أوسلو وأخرى معارضة له ) ، أو على أساس التهمة ، كأن لا يفرج عن من تسببوا بقتل أو جرح يهود[29] ، كما جعل الإسرائيليون هذا الملف عنصراً للمزايدات الداخلية ، لإرضاء الشارع اليمينى فى اسرائيل ، وعنصراً للصراع الإنتخابى بكل ما يعنيه ذلك من تجاهل للآثار السلبية التى يحدثها على مدى قناعة وتأييد المجتمع الفلسطينى للسلام [30].
لقد كان المعظم من الأسرى من يعتقد أنه قد لا تتم مصالحة تاريخية ، هذه المصالحة لها استحقاقات كثيرة ، وعلى رأسها وفى مقدمتها ، إطلاق سراح جميع الأسرى ، بمعنى أن الأسرى أخضعوا الاتفاق لمعايير منطقية ، تقاطعت مع جوانب عاطفية تمثلت فى رغبة الأسرى بالتحرير والخروج من خلف القضبان ، وكان الاعتقاد السائد أن موضوع المعتقلين احتل أولوية وهامشاً واسعاً فى الإتفاق ، وانتظرت الحركة الأسيرة النص الحرفى للاتفاق ليتم التأكد من موقع قصتها فى إطاره[31].
ولقد عمت خيبة أمل واسعة بين صفوف الحركة الأسيرة ، لأن الاتفاقية لم تتطرق إلى قضية الأسرى فى بنودها ونصوصها ، وخلت من أى نص واضح وصريح يلزم إسرائيل بالإفراج عن جميع الأسرى ، أو جزء منهم ضمن جدول زمنى واضح ، ومرتبط بتنفيذ الخطوات والالتزامات الأخرى من الاتفاق ، وإنما تركت قضية الإفراج عنهم لحكومة الاحتلال ، والتعامل معها من منطلق ما يسمى بمبادرات حسن النية [32].
أصيب الأسرى وذويهم بخيبة أمل ، وخرجت من السجون عشرات الرسائل والبيانات الموجهة إلى القيادة الفلسطينية ومؤسسات حقوق الإنسان تظهر مدى ما أصابهم من إحباط معبرين فيها عن عدم رضاهم عن أداء المفاوض الفلسطينى ، وطالبوا فى هذه الرسائل الجماهير الفلسطينية التحرك والعمل لإثارة قضيتهم وإطلاق سراحهم [33].
أوضاع المعتقلات ما بعد اتفاقية أوسلو :
كان الوضع على المعتقلين خلال هذه السنوات صعباً وقاسياً جداً ، إلا أنهم بتجربتهم الطويلة الغنية ، كانوا يحاولون امتصاص التطورات السلبية والتعامل مع المعطيات الجديدة ، وفق رؤية وطنية ، لا تسمح للاحتلال بكسر التجربة [34] .
يوصف الأسير المحرر شاكر شبات والذى اعتقل خمس مرات متتاليات حال الأسرى مع بدء المفاوضات السايسية بالقول : " إن فترة أوسلو والمفاوضات السياسية عكست نفسها على حياة الأسرى ، فلقد انقسم المعتقلون علي خلفية الانتماء السياسي بين مؤيد ومعارض للمفاوضات ، خلافات لم تصل لمرحلة الانقسام والتشظي ، بل اتفق الجميع علي ان يبقي خلافا سياسيا لا يؤثر علي استقرار ووحدة الحركة الوطنية الأسيرة ، لتفويت الفرصة علي الأجهزة الأمنية الإسرائيلية التي أرادت ان تستثمر الخلافات السياسية لشق صفوف الحركة الأسيرة ، مما يسهل عليها فرض سيطرتها لتفريغ الحياة الأسيرة من محتواها النضالي [35].
وبناءاً على التجربة الخاصة يعارض الباحث عدد ممن كتبوا فقط عن حالة التراجع والترهل التى أصابت الحركة الأسيرة فى هذه الفترة بلا تطرق للنقاط المضيئة والايجابية خلالها، فمنهم من بالغ فى الأمر لدرجة الإساءة لتاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة ، ويضيف الباحث أن من وصف الواقع فى هذه الفترة بالطريقة السلبية واكتفى فقد ظلم الأسرى وخاصة من أبدعوا منهم واهتموا بأوقاتهم وعملوا لما بعد تحررهم ، فحكموا على التجربة بعين واحدة ، وعمموا بلا استثناءات ، ويضيف الباحث : تعلق الأسرى بالافراجات السياسية ولكنهم لم يسمحوا لإدارة مصلحة السجون للانقضاض على واقعهم ومنجزاتهم ، على العكس فدخول الأسرى ثلاثة إضرابات مفتوحة عن الطعام فى وقت محدود حتى لو كانت سياسية دليل كبير على الروح النضالية العالية التى لم تغيرها اتفاقية أوسلو ، والإرادة والعزيمة والإمكانيات الكبيرة التى لم تتقوض فى نفوسهم ، ولم تستسلم ولم تسقط الراية ، بل إن مرحلة جديدة من النضال بدأت فى المعتقلات الاسرائيلية ،اتخذت الشكل النضالى السياسى بهدف التحرر من السجون على قاعدة " أنه لا يجوز إبقاء احتجاز أسرى فى ظل عملية سلام [36] " .
ومن الخطوات التى قام بها الأسرى فى تلك الفترة اعلانهم التمرد فى 8/4/1995م على قوانين إدارة السجون الإسرائيلية ، وقوانين وزارة الشرطة بعدم الانصياع لها ، وأوضحوا أن هذه الخطوة تأتى لإفهام الجميع بأن السلام الذى لم يصلهم ويشملهم يبقى سلاماً ناقصاً وأن تأخيرهم فى السجون ليس العلاج الشافى لمزاعم اسرائيل الأمنية [37].
وقام الأسرى بعشرات الخطوات النضالية من أجل الحفاظ على منجزات ما قبل اتفاقية أوسلو ،والتى حققت بأرطال من اللحم فى الإضرابات المفتوحة عن الطعام ، وبدم الشهداء ، فمستوى الحياة وظروف الأسر لم تتأثر ولم تتصادر بفعل الترهل ، ومعاملة إدارة السجون ناعمة ومرنة وهادئة نسبياً من جانب السجانين مع الأسرى ، ووفرت لهم الكثير من التسهيلات بسبب حالة الغضب التى عاشها الأسرى فى ظل فقدان الحرية وبمساندة الجانب السياسى والجماهيرى ، ومن تلك التسهيلات " حركة السجناء داخل السجن ، سواء بين الغرف أو بين الأقسام ، وزيادة مدة النزهة ، والزيادة فى زمن الزيارة لمن لديه مناسبة ، والزيارات الخاصة ، والاتصالات التلفونية ، وإدخال أشرطة الفيديو للمناسبات وتسهيل زيارة المحامين ، وإلتقاء ممثلى السلطة الفلسطينية دورياً بالمعتقلين ، وعشرات الأشياء الصغيرة التى لم تعد تنقص الأسرى ، واقتناء الممتلكات الخاصة كالهوايات واللمبات الكهربائية والأتارى ، والمسجلات والراديو والديسكمان وغيرها ، ومشتريات منوعة من الكنتينا ، وإدخال الملابس والأغطية والأحذية وأغراض صناعة التحف من الخرز والحرير وغير ذلك عبر الأهل [38]،والسماح بشراء الغراء اللاصق والكرتون ، وكان رد الإدارة على المزيد من مطالب الأسرى بأن السجون سوف تغلق ، وميزانيات مديرية السجون تم تجميدها[39].
ويرى الباحث من وحى التجربة أن أجهزة الأمن الإسرائيلية لم تتعامل يوماً بحسن النوايا باتجاه الأسرى ، على العكس فهى تستغل كل مواطن الضعف لدى الأسرى ولا تتوانى لحظة للانتقام منهم ، وذلك باعادتهم للمربعات الأولى من ظروف الاعتقال الأولى ، الأمر الذى يدلل على عمق تجربة المعتقلين ، اللذين كانوا بغالبيتهم ممن كانوا محكومين بالمؤبدات لمدى الحياة ، ومن لهم سنوات طويلة فى الاعتقال ، ومن اكتسبوا التجارب النضالية ، والحنكة الحوارية مع طواقم إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية .
الأسير المحرر زياد سلمى والذى أمضى فى الاعتقال 19 عاماً متواصلة والمحكوم مؤبد مدى الحياة لمرات وتم الافراج عنه فى صفقة وفاء الأحرار 2011 ، انتسب إلى الجامعة فى فترة أوسلو ووصف حال الأسرى بالقول : رغم الخيبة التي تلقاها الأسري من أوسلو إلا أنهم لم يفقدوا عزيمتهم وقوتهم رغم تأثر الحركة الأسيرة بالمتغيرات السياسية ، وبرز فى هذه الفترة عدد كبير من المبدعين اللذين نظموا حياتهم ، وقضوا أوقاتهم بالإنتساب للجامعة ، والمطالعة الذاتية ، وتعلم اللغات، والالتزام بالجلسات ، وممارسة الرياضة ، والتفاعل والتزاور والاهتمامات العالية والمفيدة [40] .
ويضيف الباحث - الذى تعلم اللغة العبرية فى هذه الفترة ، وأنهى تعليمه من الجامعة المفتوحة خلال الاعتقال فى أعقاب اتفاقية أوسلو ، والذى أمضى فترة محكوميته بالكامل بسبب رفض الاحتلال للإفراج عنه تحت ذرائع أمنية وما ابتدعوه من تسمية " على يديه دم " برفقة العشرات - فى هذه الفترة لم تتوقف عجلة التعليم والتطوير والثقافة والرياضة والجلسات ولو بشكل فردى وجهود ذاتية ، بالاضافة للجلسات الالزامية لدى بعض الفصائل ، ويضيف : لولا تجربة أولئك المعتقلين واهتمامهم بوقتهم وثقافتهم وتطورهم على صعد عدة ، لما استطاعوا بعد انتفاضة 2000 أن يستوعبوا آلاف المعتقلين الجدد ، ولما تمكنوا من إكسابهم التجربة النضالية ، ودمجهم فى الحياة الإعتقالية ، وإرشادهم والإشراف عليهم ، وتوجيههم فى كافة المجالات التنظيمية " الادارية والأمنية والتنظيمية ".
فى هذه الحقبة " ما بعد أوسلو " خاضت الأسيرات معركة تسجل بمداد من ذهب تحت شعار " لا سلام دون إطلاق سراح جميع الأسرى والأسيرات " ، وشاركن فى الخطوات النضالية إلى جانب بقية الأسرى فى السجون كافة فى سبيل تحقيق أهدافهن بالحرية والإفراج[41] .
مع أن وثيقة المبادىء تطرقت بالعموم إلى إطلاق سراح الأسرى الموقوفين والسجناء وفق المادة السادسة عشر من الاتفاقية ، وبينت بعض المراحل فى قضية إطلاق سراح الأسرى ، وخاصة فيما يتعلق بتحرير المعتقلات والسجينات الإناث فى المرحلة الأولى [42].
إلا أن اسرائيل امتنعت عن اطلاق سراح الأسيرات اللواتى شملهن نص الاتفاق ، متذرعة برفض رئيس دولة الاحتلال " عيزر وايزمن " المصادقة على ذلك ، بسبب قيامهن بقتل اسرائيليين– على حد ادعاءه ! ، وعلى ضوء ذلك اتخذت الأسيرات الإحدى والثلاثين قراراً برفض الخروج الفردى من السجن[43] ، عندما حاول الاسرائيليون استثناء خمس أسيرات وهن " عبير الوحيدى ، مى الغصين ، زهرة قرعوش ، عطاف عليان ، ورولا أبو دحو " ، وبقى موقفهن متماسكاً قوياً إلى أن تسنى لهن فى النهاية انتزاع تحررهن الجماعى الشامل دون استثناء واحدة منهن ، وذلك فى 11/2/1997 م بعد ستة عشر شهراً من الصمود[44] .
ولما فشلت المفاوضات ، فى ظل غياب الاستعداد للتوصل إلى تسوية من قبل الجانب الاسرائيلى ، ومدى المضايقات والإهانات لشعبنا وقياديه ، وضياع أوهام التسوية ، إنفجرت الانتفاضة التى كشفت عن عدو مجرم لم يزدد إلا شراسة وقتلا ودماراً [45] ، واستطلاعات الرأى الاسرائيلية أوزعت عامل الانتفاضة الأساسى إلى فشل محادثات كامب ديفيد (1999_2000) ، وإلى فشل الاتصالات التى جرت بعده ، فولدت الإحباط والغضب فى الشارع الفلسطينى[46] .
4- إنتفاضة الأقصى 2000 :
أدرك الفلسطينيون مماطلة اسرائيل للوصل لحل سياسى ، ففى اللحظة التى تقام دولة اليهود على أراضى أوسع مما نص عليها قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة ، لازالت الدولة الفلسطينية لم تقام لحتى اللحظة[47] ، كانت هنالك الكثير من المحاولات لانهاء الصراع ولربما كان ذروتها قمة كامب ديفيد فى يوليو 2000 ، فى ظل حكومة إسرائيلية كان على رأسها ايهود براك فى أعقاب انتخابات إسرائيلية فى مايو 1999م[48]، والتى أثارت أكثر القضايا خلافية " كعودة اللاجئين "[49].
حينها كشف الشعب الفلسطينى زيف عملية السلام منذ أوسلو 1993 ، وعدم تطبيق الالتزامات الواردة فى الاتفاقيات التى وقعت عليها الحكومة الإسرائيلية مع الجانب الفلسطينى [50]، بالاضافة لاقتحام رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق “ أرئيل شارون” المسجد الأقصى فى 28 سبتمبر 2000 ، برفقة قوات كبيرة من جيش الاحتلال، وتجوله في ساحات الأقصى، وقوله: “إن الحرم القدسي سيبقى منطقة “إسرائيلية” الحدث الشرارة للانتفاضة الفلسطينية الثانية " الأقصى "، يومها اندلعت المواجهات بين المصلين والجنود الإسرائيليين، وارتقى 7 شهداء فلسطينيين ، وجُرح 250 آخرون، كما أُصيب 13 جنديًّا إسرائيليًّا ، وشهدت مدينة القدس مواجهات عنيفة، أسفرت عن إصابة العشرات، وسرعان ما امتدت الأحداث إلى كافة المدن في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وبدأت انتفاضة الأقصى [51].
" و منذ بدء انتفاضة الأقصى فى الثامن والعشرين من أيلول / سبتمبر عام 2000 وحتى منتصف نيسان / ابريل من عام 2015 ، سجلت أكثر من 85 ألف حالة اعتقال ، ذكوراً وإناثاً ، منهم أكثر من عشرة آلاف طفل تقل أعمارهم عن الثامنة عشر ، ونحو 1200 إمرأة وفتاة ، إضافة إلى المئات من السياسيين والأكاديميين والمهنيين ، وأكثر من 65 نائباً فى المجلس التشريعى الفلسطينى المنتخب ، وعدد من الوزراء السابقين ، ومئات من الأكاديميين والاعلاميين والصحفيين والرياضيين وعشرات آخرين من الصيادين ، اللذين اعتقلوا فى عرض البحر قبالة شواطىء غزة استناداً لما ورد فى تقرير لهيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية [52].
وبلغت الاعتقالات ذروتها فى الاجتياح الكبير الذى سماه الاحتلال الاسرائيلى بعملية " السور الواقى " ، ففى التاسع والعشرين من آذار
