لقد شكل القائد الإسلامي الفذ و رائد جمع التناقضات المتعاكسة و صهرها بمنتهى الحيوية و المنطقية الإيجابية ..و فارس الفكر الأصيل و المنهج القويم الدكتور الملهم.. و سنديانة فلسطين ..الثائر (فتحي ابراهيم عبدالعزيز الشقاقي أبو إبراهيم) منذ بداياته المبكرة .. و بواكير مشواره عن جدلية المأزق الذي تحيياه أمتنا اليوم ..و مدى ارتباط الوضع المأزوم بحالة التخلف و الترهل و الجهل و الفقر و التبعية و التجزئة ..بمآلات وانعكاسات و نتائج و تداعيات الهجوم الاستعماري الاستراتيجي الاستئصالي على كل الصعد العسكرية والامنية والثقافية و الاقتصادية و النفسية و المعنوية و كل مناحي الحياة المختلفة و سياقات أنماط الحياة ..و طرائق العيش و أنساق السلوك المتعددة ..فأخذت منحى الحرب الحضارية الشاملة ولإدامة هذا الوضع المختل ..و لاستمرارية هذه الطفرة الشاذة لابد من زرع إسرائيل كرأس حربة في القلب من العالم الإسلامي و تقطيع أوصاله بين جناحي العالم العربي بشرقه و غربه و مناطيه الآسيوي الإفريقي وهذا يستدعي الإبقاء على "إسرائيل" و تفوقها و مدها بكل أسباب الدعم و التسلح و الحياة ..و هذا كله يصب في خدمة المشروع الغربي الاستعماري الاستراتيجي المستهدف للمنطقة قاطبة ..و نهب خيراتها و مواردها و إمكاناتها الطبيعية و الإبقاء على حالة الشرذمة الإثنية و الطائفية و الحدودية ..فمن هنا نبه المرحوم الدكتور الملهم فتحي إبراهيم الشقاقي ..لضرورة رص صفوف الأمة بكل طوائفها و ثقافاتها و إثنياتها و أصولها و منابتها المتنوعة في إطار الهوية الثقافة الإسلامية المتجانسة بمواجهة الخطر الوجودي المسمى (إسرائيل) و من هنا برزت إحدى أهم منطلقات الشقاقي الفكرية في إطار فهم أبعاد الصراع الكوني المحتدم اليوم على مستوى المنطقة و طليعته في فلسطين بالنيابة عن الأمة والمنعكسة آثاره على كل الصعد على مجمل أقطار الأمة باستدامة الصراعات البينية ..و إدامة التجزئة و التخلف و التيه و من جديد يبرهن الشقاقي من خلال فهمه الواعي و الإيجابي على ضرورة صهر تناقضات الأمة لصالح التناقض الأساس و المركزي مع هذه الغدة السرطانية المسماة (إسرائيل) وبرزت مقولة :(مركزية القضية الفلسطينية بالنسبة لكل الأمة) و من ناحية أخرى نادى الشقاقي المفكر ..بضرورة حشد طاقات الأمة و عناصر قوتها في أتون الحرب الحضارية الشاملة المرتقبة المرتبطة بمستقبل حضور الأمة على المسرح الدولي و من هنا تبرز أهمية و حساسية و قيمة و خصوصية فلسطين في العالم ..حيث أنها مصدر عافية و حيوية و إيجابية و حضور الأمة فبمقدار حضور فلسطين في إطار برامج و أولويات و اهتمامات الأمة تكون الأمة حاضرة أو غائبة أو مهمشة أو مهملة ..ففلسطين هي معيار ثقل الوجود ..و بيضة الميزان ..و مصدر الشرعية ..و مناط الحضور ..و مبتدأ النهوض ..و بدايات الصعود..و بمقدار تأجيج نار الصراع المقدس على أرض فلسطين تعي الجماهير مدى حاجتها لانبثاق طاقاتها الكامنة في طي مضامينها الفكرية و الثقافية فتعود بالضرورة لهويتها الإسلامية فتجدد علاقتها العضوية بإيمانها و تدينها و تؤوب إلى ربها و تعرف مصدر عزتها فتثوب إليه و لا تنكث غزلها مع عراه ..فالتغيير المنشود بحاجة إلى محتوى ثقافي و إلى منظومة قيمية و إلى أساس حضاري و إلى نظرية متجانسة و إلى فلسفة متكاملة ..فعقد الشقاقي هذه المصالحة بين الذات و الهوية و الاتفاق بين المنهج و المشروع و بين المصحف و البارود و بين البندقية و آي القرآن ..بعدما أثقل كاهل فلسطين ضبابية الموقف الإسلامي الشارد عن فلسطين ..وعلمانية الثائر السادر عن ثقافة و تراث الشعب و حضارية المعركة ..حيث إسلاميون بلا فلسطين .. و فلسطينيون بلا إسلام ..ومن هنا برزت أهمية الشقاقي
و مشروعه و فكره و دوره للأمة و فلسطين و للجهاد و المقاومة..و للنهضة و الصعود ...رحم الله أبو إبراهيم الشقاقي مفكرا ملهما ..وثائرا رائعا ..و وحدويا جامعا ..و شهيدا في الخالدين..
