كتب رامز الحلبي :
من عتمة الزنزانة ينبلج نور العلم مرة أخرى تشخص الأبصار إلى بعيد إلى حيث القيد والجلاد، كل ما في العقل والنفس أن الآهات المقهورة تتعالى من أقبية سجون
المحتل، وأن النفوس ملتاعة تريد فكاكاً من تلك القيود الثقيلة التي ترسف بها صبحاً وعشية.
خلف تلك الأبواب السميكة يظن البعض بأن هناك وجوهاً شاحبة وعيوناً غائرة حائرة تشبه الأحياء وما هي منهم، وإلى الحياة تنتمي وهم إلى الموتى أقرب، هكذا يظن البعض بالأسرى والسجون، وهذا ما أراده العدو يوماً، ولكن وأمام عزيمة أهل العزائم وصبر المرابطين تغير المشهد، وإذ بتلك العلب الإسمنتية التي تسمى –زنازين- ينفسح فيها المدى ويخضر اصفرارها ويورق يبسها، وإذ بتلك الوجوه التي أريد لها أن تكون شاحبة، تمتلئ نضارة ونوراً إلهياً علوياً، نعم إنكم في مدرسة يوسف حيث المجاهدون والمناضلون من عباد الله وأوليائه تسمع دويهم كدوي النحل، هنا حلقة للقرآن وهناك للتفسير والحديث وثالثة للفكر والسياسة وأخرى للانتماء لفلسطين.
من صخر التحدي نرى أزاهير الأمل تفتحت واشرأبت بعنقها اليافع نحو شمس الحرية، إننا حقاً أمام مشهد يعجز اللسان عن وصفه، حيث 40 فارساً من فرسان الإسلام وفلسطين يسيرون على خطى شهيد الأمة فتحي الشقاقي، يستظلون بشعاره "المثقف أول من يقاوم وآخر من ينكسر" 40 عاشقاً من الجهاد الإسلامي يسجلون صفحة تحدٍ جديدة أمام السجان، وينجزون إنجازهم العلمي الرائع يتقدمهم الأسير المجاهد البطل أحمد دهيدي والحاصل على درجة الإمتياز من جامعة الأقصى هو ورفاقه الـ 40 الذين أتيح لهم إنهاء البكالوريس من تلك الجامعة.
لم تكن الدرجات العليا التي يحصدها الأسرى بعد التحاقهم بالجامعات استثنائية أو منفردة وإنما هي حالة الإبداع العاملة التي صاغها أسرى الحرية بجهادهم، وتضحيتهم، وتقدمهم العلمي أخيراً وليس آخراً.
إننا أمام هذا الإنجاز الذي سطره أسرانا البواسل بحصولهم على درجة البكالوريوس وبأعلى الدرجات لا يسعنا إلا أن نقف إجلالاً وإكباراً لهذه الثلة الكريمة من أبناء شعبنا المقاوم والتي أثبتت مقدرتها على تخطي كل العقبات الكئداء وتسجيل صفحة جديدة من صفحات المجد.
