في ظل ثورة الاتصالات التي يشهدها العالم في الوقت الراهن، وفي ظل التطور الكبير والجارف الذي شهدته وسائل الإعلام والاتصال خلال العقود الثلاثة الماضية، هناك شريحة لا بأس بها من هذا العالم تشعر بأنها تعيش في كوكب آخر، وتسمع مجرد سماع عن هذا التطور، وعن الأجهزة الذكية التي تتنقل من يد إلى أخرى بكل سهولة.
فالتواصل مع الآخرين هي حاجة ملحة لا يستغني عنها البشر، وقيل في المثل "الجنة من غير ناس ما بتنداس"، فالإنسان يؤثر ويتأثر بالآخرين، ويشعر بوجوده وكيانه بذلك التأثر.
وبعض الناس محرومون من الحياة رغم إنهم يتنفسون و يأكلون ويشربون، محرومون من ممارسة حقهم الطبيعي كالآخرين، ليس ذلك فقط بل و يمارس ضدهم أبشع أنواع القهر والتعذيب، كي يجردوا من إنسانيتهم ممثلة بالتواصل مع الآخرين، وهذا ما يعاني منه الأسير الفلسطيني في سجون الاحتلال.
والعدو يصر على حرمانه من التواصل مع الآخرين مما يفقده جزءاً مهماً من الاستقرار النفسي الذي لا غنى للإنسان عنه، فالأسير حين يمارس حقك في التواصل مع الآخرين يشعر كأنه في كامل صلاحيته الإنسانية واستقراره النفسي وانسجامه مع الحياة.
هناك من قال لي عندما سجن شعرنا أننا لا ننتمي للمجتمع البشري، أو لمجتمع الأحياء، كوننا لم نسمع بمجتمع الفيسبوك وتويتر والانستغرام والأجهزة الذكية، نشعر بأننا نعيش في كوكب المريخ أو أننا نعيش في قبور كبيرة تحتوي تلك الأجساد المتحركة التي لا علاقة لها بمجتمع التكنولوجيا والاتصال، نشعر أن هناك فجوة كبيرة بيننا وبين البشر وليس فقط بيننا وبين التكنولوجيا، وأعتقد أن هذا أحياناً يدفع الإنسان إلى التفكير والتساؤل إلى متى تبقى ميتاً؟
الحرمان من التواصل مع الحياة التكنولوجية هو تماماً كالحرمان من أنواع من الطعام والشراب، في بداية التسعينات كنت أدرس مع أحد الأخوة في إحدى زوايا الخيمة في سجن مجدو أو النقب –لا أذكر بالضبط- سألت هذا الأخ يومها هل من الممكن أن يأتي يوم ونشرب الكولا في السجن؟ أجاب الأخ: هذا حلم إبليس في الجنة، اليوم الكولا داخل السجون أصبحت متاحة كالماء، وأجاب أحد الأخوة والأصدقاء إذا تمكنت سأشتري كل الأجهزة الإلكترونية التي حرمت منها، سأشتري كمبيوتر ولاب توب وآيباد وآيفون وجلاكسي إضافة إلى 5 مدفأة و5 هواتف نقالة كل هاتف يحتوى على شريحة لشركات الاتصال المختلفة.
التأثير النفسي ليس على الأسير وحده بل على أهله، عندما تتواصل عائلة الأسير مع ابنها يخفف من حرارة اشتياق الأسير لأبنائه وأهله وزوجته، وخاصة إن كان له زوجة وأبناء فهؤلاء عليهم ضرر نفسي قاسي جداً خاصة حين يبدأ الأطفال يكبروا فيتسألون أين الأب، فالتواصل معه يخفف وطأة الغياب والحرمان فيشعرون أن هناك أب يحمل عنهم ويسمعون صوته ويتابع شؤونهم، وقد لاحظنا أن الكثير من أبناء الأسرى ومن خلال استقرارهم النفسي نتيجة التواصل الدائم بينهم وبين ذويهم قد تحسنت درجاتهم المدرسية، وشعروا بظل آبائهم الأسرى في بيوتهم ومراقبتهم الدائمة لهم، فحرصوا على أن يرضوا هذا الأسير الغائب بجسده الحاضر بصوته، وكذلك استقامت الكثير من سلوكيات أبناء الأسرى الاجتماعية أو الدينية نتيجة ذلك التواصل عبر الجوالات.
ويمكن الإشارة إلى أن العلاقات الاجتماعية توسعت وتعمقت بين الأسرى وأهلهم وأحبائهم في الخارج من خلال التواصل الدائم عبر الجوالات حيث يعيش الأسير حياة شبه كاملة من خلال الاستماع والمشاركة وإبداء وجهات النظر في حل إشكاليات تعرض أهله وذويه.
وعلى مستوى الثقافة والابداع الأدبي فقد تفتقت جوانح الأسرى عن آداب كثيرة وعلوم وفيرة في اللغة والفكر والتاريخ والسياسة وشجعهم على ذلك إمكانية إخراج ذلك الإبداع إلى الحرية عبر تكنولوجيا الاتصالات المهربة.
أعتقد أن الموضوع بحاجة إلى دراسة معمقة من قبل مختصين في مجال علم النفس والإرشاد النفسي، باختصار شديد كما أنني أتواصل مع الناس في الخارج أشعر كأنني إنسان لي كياني ولي وجودي، وعندما أفقد هذا التواصل أشعر وأيقن أنني ميت ومدفون في قبر كبير أكل وأشرب وأنام فقط.
