التحديثات

كلمة السر " كم الساعة "

القصة الحقيقية كما رواها أبطالها

18 آذار / نوفمبر 2015 07:27

front
front

خاص

يقول (أبو أحمد): تعرفت على (خميس) و(جمعة) في مدينة الخليل وتبين لاحقاً أنهما من الجناح العسكري لأحد الفصائل الفلسطينية المجاهدة، ويتبوؤون مواقع قيادية فيه. وكان اللقاء الأول. ثم تلقيت إشارة من أحدهم، وأبلغني بأن الجهاز العسكري بحاجة لي، فأعطاني عنواناً.

وعند وصولي إلى هذا العنوان كانوا بانتظاري.

وبعد هذا اللقاء بدأ العمل مباشرة ولأهمية وجودي في القدس طلبوا مني تحديد أهدافٍ عسكرية وتجمعات للمستوطنين داخل مدينة القدس وضواحيها.

وبالفعل قمت بالمهمة دون تقصير لكن وبعد مرور الشهر على تجنيدي وبينما كنت جالساً مع أبنائي في المنزل وهم يلعبون حولي أصابتني حالة تردد وصارت نفسي تنازعني إذ فكرت بهم وبمستقبلهم من بعدي لو حصل لي أي مكروه. ولكن مع حبي الشديد لهم فإن حبي لأرضي ومقدساتي جعلني أُضحي من أجل كرامة أمتنا وتحرير الأرض من المحتل الغاشم.

وبعد استعدادي النفسي لمواصلة العمل والتضحيات جاءني أحد الإخوة وقال لي: حددنا موعداً للقائك مع (الاستشهادي). وكان هذا في يوم سبت الساعة الخامسة مساء، وكانت كلمة السر: كم الساعة، ويكون الجواب: الساعة خربانة.

وبالفعل حضرت إلى الموقع وكان الضيف بانتظاري وهو من سكان الخليل. وسنتفق على تسميته بـ (الشيخ) كما اتفقتُ مع الإخوة بعد سؤاله عن اسمه وهو كذلك، وهذا من ضرورات العمل.

اقتربت منه وقلت: كم الساعة

قال: الساعة خربانة

قلت: أهلاً وسهلاً. أنا بانتظارك أنت معي. امشي أمامي وعلى اعتبار أنك حضرت للتسجيل في الجامعة.. جامعة القدس وعلى أساس أنك لا تعرف المنطقة، وأنا سأساعدك للوصول للجامعة حتى تسجل فيها.

ثم ذهبت إلى موقع التكسيات وسيارات العمومي، وناديت سائقي السيارات هناك بأخذ طلب إلى عناتا. طلبوا مني مبلغ 80 شيكل ففاصلتهم لكيلا يشكوا بي وأخذت سيارة طلب.

تحدثت مع السائق أن هناك شاباً مقطوعاً ويريد الذهاب إلى عناتا عند أخته وأنا سآخذه معي لأننا معاً بنفس الطريق.

وحالما وصلنا عناتا طلبت من الضيف أن يضع رأسه بالأرض لكي نذهب إلى البيت، وأردت من ذلك التمويه.

لم نتحدث خلال الطريق حتى وصلنا البيت بعد هذا المشوار الشاق والطريق الصعبة المليئة بالمخاطر. ووصلنا إلى البيت عند صلاة العصر.

طلب مني الضيف أن نصلي حتى لا تضيع علينا، فأقمت الصلاة، وهو أمَّ بيَّ.

كان (الشيخ) يحمل بيده باقة ورد جميلة على شكل سلة ممسكاً بها بقوة ويتعامل معها بلطف.

أنا لا أعرف ماذا تعني هذه الباقة الجميلة من الورد، وراح تفكيري أن الإخوة أرسلوها لي كهدية للمنزل، فالباقة كانت جميلة.

ثم طلب مني (الشيخ) إبرة وخيط ومصحف.

أحضرت له ما طلب.

ثم رفع باقة الورد من داخل السلة الجميلة، وكانت المفاجأة لي كبيرة جداً عندما رأيت أن داخل تلك السلة الجميلة حزام ناسف وأسلاك وجعب ملفوفة بالقماش.

في تلك اللحظة تملكني شعور بالخوف الشديد وقلت له:

- لا تحركها حتى لا تهدم المنزل على رؤوسنا.

قال: لا تخف سأحاول ترتيب الحزام الناسف وأخيط أطرافه حتى يكون مناسباً لي عندما ألبسه.

وكان يضحك ويبتسم، وأنا أشعر بالخوف لأن أبنائي معي، فالأمر أصبح واقعاً والآن بدأ العمل الجدّي.

في هذه اللحظات وهو يخيط ويرتب ببرودة أعصاب ورباطة جأش لا مثيل لها، وأنا بتوتري الكبير كان ينظر إلي ويبتسم ويقول لي:

- لا عليك.. لا تخف.. العملية ستنجح بإذن الله.

وعندما انتهى من عمله قلت له:

- ضع الحزام جانباً.. الآن جاء دوري بالعمل.

ثم تابعت: سأحضر لك شفرة حلاقة لكي تحلق اللحية.

قال: سأحلق بالجنة إن شاء الله تعالى.

قلت: حلق اللحية ضروري لنجاح العملية.

قال: إن كان الأمر كذلك فلا بأس سأحلق.

وبالفعل أعطيته الشفرة ونزلت لإحضار جل (معجون) للشعر من دكان قريب.

وبينما أنا في الدكان تذكرت أني أخطأت خطأ فادحاً بإعطائه الشفرة للحلاقة، والسبب هو أن اليهود المتدينين (الشكناز) في هذه الأيام من هذا الشهر لا يحلقون، ولا يجوز لهم حلق اللحى. رجعت كالمصروع إلى المنزل بأسرع ما يمكن وقلبي يخبط مثل ماتور سيارة موديل 1950 إذ كنت أخشى أن يكون قد بدأ بحلق لحيته. لكن عندما دخلت تنفست الصعداء إذ وجدت (الشيخ) يقرأ القرآن الكريم، ولم يحلق اللحية فقلت بارتياح: جيد أنك لم تحلق اللحية.

قال والابتسامة تزين وجهه: ألم اقل لك أني سأحلق بالجنة إن شاء الله.

الإخوة بطبيعة الحال طلبوا مني عدم الحديث معه ولا في أية موضوع لأسباب أمنية بالطبع.

لكنني وللأسف خالفت الأوامر، وبدأت الحديث معه عن أهله وماذا قال لهم بخصوص غيابه عن البيت. أخبرني: أنه عمل دعوة وهمية ووضعها في البريد على أساس أنها دعوة من شبان مسجد في رام الله يدعونه للحضور والمبيت معهم لإحياء مؤتمر خاص.

طبعاً وصلت الدعوة ليد والدته التي لم تعارض على ذهابه لحضور المؤتمر.

ثم بدافع لا أعرفه واصلت حديثي معه بترغيبي له بالدنيا، وحاولت إقناعه بالتراجع، وأنه لم يفت الأوان وبإمكانه العودة وهو شاب وأهله بحاجة إليه.

لكنه كان يقاطعني متفاجئاً من كلامي ويقول: يا أخي أنت لا تعرف كم عانيت وتعبت لأصل للاستشهاد في سبيل الله.. واليوم عندما اقتربت من هذا الحلم تريد إقناعي بالتراجع!!..

ـــــــــــــ

يـــتبع ،،

رواية قنايل لا تنطئ للأسير محمد سعيد اغبارية

انشر عبر