"الجزء الثاني "
شهادة حق للأمانة، فأنا لم أر في حياتي إنساناً يحب الشهادة إلى هذا الحد مثل هذا الشاب. فبدأت أتراجع عن الكلام معه لأني تذكرت أن الأوامر التي أخذتها من الإخوة تقضي بعدم الحديث معه.
ثم تذكرت أنه من الضروري الذهاب إلى بيت عمي لأنه يوجد عنده عرس لابنه، ويجب أن أثبت وجودي من باب التمويه وأتواجد ولو لفترة قصيرة.
قلت لـ (الشيخ) سأذهب إلى بيت قريب لي وسأعود فلا تحاول الخروج من البيت.
ذهبت إلى بيت عمي وهناك طلب مني ابني أحمد "شيكل".
مددت يدي إلى جيبي ولم أجد المحفظة. عرفت أني قد نسيتها بالبيت، وعدت فوراً إلى البيت. سألت (الشيخ) هل رأيت المحفظة.
ابتسم وقال: هذا اسمك يا فلان (وذكر اسمي). والقاعدة تقضي ألا يعرفه لأنه لا سمح الله لو فشلت العملية وأُخذ للتحقيق سيكون من السهولة التعرف عليّ.
توترت واضطربت، ولما لاحظني قال: ماذا جرى لك؟
سكت لحظة ثم قال: العملية ستنجح بإذن الله.
وتكلم بثقة عالية مستطرداً: وستتأكد من ذلك غداً حين سيكون يوم عرسي.. يوم استشهادي والعملية ناجحة بإذنه تعالى. اطمئن.
في هذه الأثناء عاد أبنائي إلى البيت، وصعدوا إلى الطابق الثاني، وبقيت أنا مع (الشيخ).
ثم بعد قليل حضر أبنائي إلى غرفتنا.
حضنهم وصار يلاعبهم. وكنت أتوقع أن يتركوا عليه أثراً بالتراجع والعودة.
ثم لا أدري لماذا أعدت الكرة معه محاولاً إقناعه بالعودة، ولكن لم يجب، وعاد لقراءة القرآن.
في آخر الحديث بالليل وقبل الفجر قال لي (الشيخ):
- أريد منك طلباً خاصاً.
سعدت من جهة لكن خفت من جهة ثانية، خشيت أن يكون طلبه فوق طاقتي. قلت: وما هو.
قال: أن تختم القرآن عن روحي.
قلت: أنا لا أستطيع القراءة.. لا أعرف القراءة.. ولكنني سأطلب من الإخوة أن يختموا المصحف عن روحك.
ثم وعدته في حال تعلمت القراءة أن اختم عن روحه المصحف.
وها أنا الآن أتعلم القراءة في السجن وإن شاء الله سأختمه عن روحه.
أنا لم أنم طوال الليل نهائياً، إذ لم أعتد على هذا العمل بما ينطوي عليه من توتر وقلق وخوف.
أما (الشيخ) الاستشهادي نام حوالي الساعة فقط. ومع أذان الفجر قمت وصلينا معا صلاة الفجر، وأمّ بي بصوته الرخيم الجميل آيات الشهادة، وشعرت للأمانة أنه يودع الدنيا وما فيها.. سبحان الله.
صباحاً عند الخامسة بدأت بالتجهز للخروج وبدأ هو بتحضير نفسه وأعطاني ساعة يد و"شواقل" وتركت معه مبلغ مئة "شيكل" للضرورة.
ثم فاجأني بإعطائي أربع صور له يعبرون عن مراحل حياته.
صوره وهو ابن الخامسة، وأخرى وهو بسن الثامنة، وواحدة بسن الثالثة عشرة، والأخيرة وهو بريعان شبابه ابن تسعة عشر عاماً. أي أنها كانت صورة جديدة.
ثم طلب مني أن أضع الصورة الأخيرة له في برواز ثم أهديها إلى أمه.. نعم إلى أمه فهو لم ينسها ويعلم أنها تنتظره وسوف تتبلسم بها. إذ أنه لن يعود إليها من المؤتمر الخاص برام الله أبداً.
طبعا أنا بعثت الصورة للإخوة ليقوموا هم باللازم... وأعتقد أنهم قاموا بالواجب.
ثم بدأت لحظة الصفر.
أخذ (الشيخ) يلبس الحزام الناسف ويرتبه كما ينبغي، وهو ينظر إلى المرآة.
ومن ثم قمت بإلباسه لباس العملية التي اتفقنا عليه مع الإخوة، وهو لباس (الشكناز) المتدينين اليهود لكي يبدو بشكل مستوطن يهودي متدين.
وبالفعل كان يبدو سبحان الله كالمستوطن.
وقبل الخروج أعطيته معطف يلبسه فوق لباس (الشكناز) حتى نصل المنطقة اليهودية.
ـــــــــــــ
يـــتبع ،،
رواية قنايل لا تنطئ للأسير محمد سعيد اغبارية
