التحديثات

واستعجل اللقاء ..

22 آذار / نوفمبر 2015 11:22

front
front

خاص

خرجنا باكراً لكي نصل الهدف وهو باص عند التلة الفرنسية قبل توزيع حراسة الباصات.

مشينا حوالي الساعة ولم أستخدم السيارة لأسباب أمنية.

ثم وصلنا إلى نقطة تبعد حوالي 300 متر عن الهدف في شارع مفتوح.

وهناك توقفنا. ثم "لتياستي" حاولت إقناعه لآخر مرة بالعودة والتراجع.

ابتسم.. واكتفى بها إجابة على غبائي.

وللحق لقد شعرت في لحظتها بحب جامح نحوه وأننا أخوان نعرف بعضنا منذ فترة طويلة جداً.

كنا كلما اقتربنا كانت معنوياته ترتفع، وابتسامته لا تفارقه.

في تلك اللحظة.. وفي لحظة خشوع قلت له: أتشفع لي يوم القيامة.

ابتسم مرة أخرى وقال: إن كان لك مجال فسوف أشفع لك لأن القائمة عندي طويلة لكثرة الأهل والأحبة..

سكت هنيهة ثم استطرد: ولكنني إن شاء الله أتمكن من الشفاعة لكم جميعاً.

يا سبحان الله.. لقد كان يتحدث معي بثقة لا يخامرها أيما شك.

ومما زاد انبهاري هو توقه أن يقدم إلى شعبه وأمته حتى بعد استشهاده.. انظروا إلى العطاء والتضحية!.

ثم وضع يدي بيده مودعاً.

وأنا من حرارة الموقف قلت له: دير بالك على حالك.

مرة أخرى ضحك ملء فيه وقال:

أنا سأفجر نفسي إلى قطع وتقول لي دير بالك على حالك. خجلت منه ومن نفسي.. لكنني معذور فأنا مع شخص ليس من هذه الحياة.. بعد لحظة قد يغادرني إلى الأبد.

قلت: ماذا أقول لك يا أخي.

قال: قل لي يا أخي سلم لي على النبي.. على الشهداء والصالحين. فأنا ذاهب للقاء هؤلاء إن شاء الله.

كان (الشيخ) الحبيب يتقن التكلم باللغة الإنجليزية بطلاقة.

قلت: إذا تحدث معك أحد بالعبرية.. تحدث أنت معه بالانجليزية. ولا تفجر نفسك على أول محطة ولا الثانية إنما الثالثة حتى يكون الباص قد امتلأ بالركاب، ولتكون النتائج أفضل ما يكون.

ثم سكت وأخذت أنظر إليه نظرات الوداع الأخيرة.

ثم أردفت: أبطئ المسير حتى أتمكن من العودة إلى البيت.

استدرْت رقراق العيون وأخذت أحث الخطى نحو منزلي، وقبل وصولي بقليل سمعت صوت انفجار قد هز مدينة القدس من دويه.. كان انفجاراً قوياً جداً.

فقلت: رحمك الله يا أخي.. يا شهيد.. وبدأت بالبكاء عليه لأنّ فراق الأحبة والأبطال له طعْم ممزوج بالفرحة والحزن ولا يذوقه إلا الذي جربه.

دخلت المنزل والغرفة التي كنا فيها معاً. ثم فتحت التلفاز، وبالفعل كان البث مباشراً بأن عملية حدثت بالتلة الفرنسية، وما هي إلا لحظات حتى بدأ النقل مباشرة من مكان العملية.

ومن خلال المشاهدة عرفت أن ضيفي (الشيخ) لم يفجر نفسه كما طلبت منه. يبدو أنه استعجل للقاء الأحبة الذين كانوا على لسانه قبل استشهاده. وإنما فجر نفسه بمجرد صعوده الباص. وبعد ذلك استقر الرقم على مقتل سبعة مستوطنين وجرح العشرات.

ورحم الله شهيدنا وأدخله فسيح جناته.

ـــــــــــــ

رواية قنايل لا تنطفئ للأسير محمد سعيد اغبارية

انشر عبر