تختلف تصرفات الاطفال تبعا لإختلاف ظروف المكان والزمان , والأسرة هي العنصر الأهم والوحيد للحضانة والتربية المقصودة في المراحل الأولى للطفولة لتشكل مملكة الأمان والحصن المنيع في تكوين شخصية الطفل .
مريم , طفلة الأسير منيف أبو عطوان الذي يقضي حكما بالسجن مدى الحياة قضى منها أربعة عشر عاما حرمها الإحتلال من طفولتها حين أعتقل والدها قبل أن تكمل شهرها الثالث لتنطلق برحلتها منفردة وتعيش عناء الأحداث التي سبقت نهاية فرحة قدومها لتصبح نبعا للتفاؤل يضخ الأمل في قلب كل ما تحدث معها .
تحاول أن تتذكر لقاءها الأول بوالدها وبريق عيناها يفضح حجم الإشتياق , لكن فخرها به يجبرها على الحديث , لتصف صبره وحجم صموده . تطلب من امها مساعدتها في سرد قصة الزيارة الأولى ليس لضعف ذاكرتها بل لصغر سنها تلك الفترة " مريم كانت صغيرة وتعبانه من المواصلات والتفتيش وطول الإنتظار " أجزم بأنه كان يوما عصيبا على منيف لم يستطع فيه لمس طفلته ولا سماع صفاء صوتها من خلال السماعة المخصصة للزيارة بعد أن حجب الحاجز الزجاجي تفاصيلها ولم تستطع عيناه أن تتجول لترى ملامح صغيرته .
بكلمات تزينها الوطنية ويغلفها الأمل قالت مريم : إنطلقتُ الى المدرسة برفقة والدتي وشقيقتي كان يوما مميزا , وكأي طفل تداعبه تساؤلات الطفولة بحثت عن من يرافق زميلاتي , وتمنيت أن لا ارى غير الأمهات في محاولة لقتل شبح الحرمان في هذا اليوم الذي سيرافقني كأسمي , لم أكن أعلم في السنوات الخمس الماضية قيمة ما فقدت شعرت بالمسؤولية والرهبة والرغبة بالاستيقاظ حتى ابتعد عن هذا المكان .
كان هذا اليوم قادرا إشعال عزيمة مريم الفولاذية لتنطلق مع عائلتها في رحلة انتظار عودة منيف , لتفتخر بوالدها كما افتخرنا جميعا به فهو سفير الإرادة التي عجز الإحتلال عن كسرها .
سمعت ان امها تناديها بالصغيره , اعترضت على ذلك وبدأت برواية موقف في احدى زياراتها لوالدها حيث بادرت بإرشاد ذوي الأسرى الجدد حول الزيارة والوان الملابس التي يسمح الإحتلال بإدخالها , وطرق التفتيش وأسباب الحرمان من الزيارة وأن خبرتها التي اكتسبتها من عدد الزيارات تؤهلها ان تكون دليل في احدى حافلات الصليب الأحمر التي تنقل أهالي الاسرى للزيارة في سجون الإحتلال .
" مريم صنعت طفولتها بصبرها والايمان بعدالة قضية شعبنا , كن ببراءة مريم . "
